Cairo9 | كايرو



سلسلة المعجزات  Addthi10سلسلة المعجزات  Email10سلسلة المعجزات  Printe10

سلسلة المعجزات

سهر اليالي
سهر اليالي
سلسلة المعجزات  Empty


سلسلة المعجزات  Clock11 الخميس 2 يونيو 2011 - 0:47
سلسلة المعجزات

.

سلسلـــة المعـــجزات

هارون يحيى


استانبول - فبراير 2003


محتويات الكتاب

المدخـل
الباب الأول
أمثلة على المعجزات الموجودة في خلق الكون
النظام الدقيق الحاصل نتيجة الانفجار الكبير
المقياس المعجز لسرعة تمدد الكون
المسافات الفاصلة بين الأجرام السماوية
التكون المعجز لعنصر الكربون
المقياس الحساس لقوة جاذبية الأرض
التوازن المعجز بين القوى الكونية المختلفة
الانسجام المعجز بين الإلكترون والبروتون
الاحتمال المحير للعقول

الباب الثاني
المجموعة الشمسية والموازين الاعجازية في خلق الأرض
موقع المجموعة الشمسية من المجرة
الموازين الدقيقة للمجموعة الشمسية
التوازن الموجود في كوكب الأرض
الفاصلات المنتظمة لحرارة اليابسة
النسب المثالية للغلاف الجوي
كثافة الهواء
معجزة الضوء المرئي
الانسجام المعجز بين ضوء الشمس وبين عملية التركيب الضوئي
الانسجام المعجز بين العين وبين ضوء الشمس
الخاصية الانتقائية المدهشة للغلاف الجوي
الموازين الدّقيقة لخواص الماء الفيزيائية
خاصية الشد السطحي للماء وجدت لتلائم الحياة
معجزة الماء الكيمياوية
درجة انسيابية الماء موضوعة بمعيار معين
الحدود الحرارية اللازمة لتكوين الروابط الذرية المهمة للحياة هي
نفسها الحدود الحرارية لكوكب الأرض
عامل الذوبان للأوكسجين وقيمته المثلى واللاّزمة للحياة

البــاب الثّــالث
أمثلة على معجزة الخلق في الكائنات الحية
لا يمكن للمصادفة أن تخلق أبسط كائن حي
استحالة ظهور اللبنات الأساسية للحياة مصادفة
لا يمكن تفسير كون كل البروتينات الموجودة
في جسم الكائن الحي عسراء عن طريق المصادفة
الظهور الفجائي والإعجازي للأحياء على وجه البسيطة
التصميم المعجز للحامض النوّوي DNA
سرّ التخصص لدى الخلايا
المنطقية في سلوك البكتيريا

الخاتمة
خديعـة التطور




المدخـــل
توجد قوانين وموازين ومقاييس وتوازنات لا يمكن عدها تحكم كوكبنا الذي نعيش عليه وتحكم المجموعة الشمسية التي ننتمي إليها والمجرة التي نتبعها وحتى الكون برمّته، وكلّ هذه القوانين والموازين والمقاييس والتوازنات وجدت وأعدت بشكل خاص لتأمين إمكانية لحياة الإنسان واستمرارها بشكل معجز.
وعندما نتفحص الكون عن كثب ندرك أن القوانين الكونية الأساسية والمقاييس الفيزيائية الحسّاسة وحتى أصغر الكميات وأدقها الموجودة في الكون قد قيست ووضعت في موضعها المناسب وفق ميزان دقيق للغاية. والمحير في هذه القوانين أنها موضوعة وموزونة في الكون كي تؤدي دورها في وجود الإنسان ككينونة ثابتة في الوجود .
فهذه القوانين الكونية مثل سرعة تمدد الكون وموقع كوكبنا في مجرة درب التبّانة ونوع الضوء القادم من الشمس وحتى درجة انسيابية الماء ومقدارها والمسافة التي تفصل القمر عن كوكبنا وكذلك مكونات الغلاف الجوي ونسبها والعديد العديد من القوانين الأخرى كلها عوامل وجدت ووضعت وفق معايير تناسب حياة الإنسان، و أي خلل في أحد هذه القوانين مهما كان ضئيلا يعني استحالة وجود الحياة.
ومن الاستحالة أن يكون أحد هذه القوانين شكلا ومعيارا قد وجد بمحض المصادفة، وكون هذه الآلاف من القوانين قد وجدت حسب معايير معينة لكل منها على حدة يعني أننا بصدد معجزة لاشك فيها ولا يمكن للعقل الإنساني استيعابها.
ويمكن اعتبار كافة العوامل التي تسهل حياة الإنسان في الكون معجزات الواحدة تلو الأخرى، وهذه العوامل التي تعد بالملايين لو وضعت إلى جانب بعضها لشكلت بمجموعها سلسلة لا تنتهي من المعجزات. والمعجزة هي دليل على وجود شيء من قبل الله سبحانه وتعالى، والكون بكل جزء من أجزائه يعتبر دليلا قاطعا على كونه تحفة فنية رائعة خلقها الله الذي لا حدّ لعلمه ولقدرته .
إن المعطيات والحقائق التي تم التوصل إليها في السنوات الأخيرة أثبتت أن أي خلل في الموازين الثابتة التي تحكم الكون يجعل وجود الحياة ومن ضمنها حياة الإنسان مستحيلة، وكان يمكن لهذه الموازين الثابتة أن تحمل معايير مختلفة لا يمكن عدها، إلا أن هذه الثوابت الفيزيائية { الموازين الثابتة } وإن أظهرت تأثيرها كل على حدة إلا أنّ عملها كمجموع يشكل البناء الملائم لوجود حياة الإنسان، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تفسير هذه الحقيقة إلا بكلمة ‘’المعجزة’’ .
وكلمة المعجزة تعني حدوث أمر ما يعتبر حدوثه مستحيلا تحت الظروف العادية ومن تلقاء ذاته، ولو ألقينا نظرة على أي قانون فيزيائي أو معيار كوني أو ثابت كوني لأدركنا استحالة تشكله أو امتلاكه للقيمة الصحيحة المناسبة بمحض مصادفة أو من تلقاء ذاته، تنطق وتشهد بأن الله سبحانه خلقها بقدرته اللامتناهية .
وتركزت الأبحاث العلمية في السنوات الأخيرة على هذه الحقائق من قبل علماء الكون والفيزياء النظرية، وتوصلت هذه الأبحاث إلى حقيقة كون الثوابت والمعايير الكونية سببا لاستمرار الحياة، وهذه النتيجة محيرة للعقول حتى أن العلماء أطلقوا على هذه الحقيقة ‘’ المعيار الدقيق Fine Tuning ‘’ ، واستطاع العلماء استقصاء أثر أمثلة عديدة لهذا المقياس الدقيق حتى أنهم وهذا يعني أن هنالك معجزة ماثلة أمام الأعين، وهنالك معجزة في كل ناحية من نواحي الكون توصلوا إلى قياسها بشكل محكم، وقد عبر العديد من العلماء والباحثين عن هذه الحقيقة الكونية المدهشة والمحيرة للعقول كما يأتي:
يقول البروفيسور جون أوكيف Prof. John Okeefe الباحث الفضائي في وكالة ناسا الأمريكية :
‘’عندما نأخذ المعايير الفلكية القياسية بعين الاعتبار نجد أنفسنا أمام مجموعة كبيرة من البشر تعيش تحت رعاية ورحمة قوة خفية ... ولو لم يكن الكون قد خلق بهذه الصورة الدقيقة المقاييس لما وجدنا أصلا على قيد الحياة، وبنظري إن هذه الحقائق والمعايير الكونية الحالية تثبت أنها وجدت كي تسهل حياة الإنسان ووجوده في الكون’’ 1.
ويقول البروفيسور جورج.ف.أليس Prof. George F.Ellis البريطاني الأخصائي بالفيزياء الفلكية :
‘’يمكننا أن نكتشف المقياس والمعيار الدقيق الذي يحكم هذا الكون المعقد التركيب والشاسع الذي يثير الدهشة في أذهاننا، وإن هذا المعيار الدقيق الموجود في الكون يجعل من تجنب كلمة ‘’المعجزة’’ أمرا صعبا للغاية’’ 2.
أما البروفيسور بول ديفيس prof. Paul Davies البريطاني والأخصائي بالفيزياء الفلكية أيضا فيقول :
‘’تبدو القوانين الفيزيائية كنتاج لتخطيط على مستوى عظيم من الذكاء ... و لابد من غاية لوجود الكون’’ 3.
أما الباحث الرياضي البروفيسور روجر ينزو prof. Roger Penrose فقد عبر عن رأيه قائلا :
‘’أود أن أقول صراحة أن للكون هدفا من الوجود، ولا مكان أبدا للخطأ في هذا التكوين’’ 4.
وكل النتائج التي تم التوصل إليها حتى يومنا هذا تشير إلى استحالة حدوث المصادفة في أي مكان أو زمان في الكون، وأن هذا الكون منذ اللحظة الأولى لتكونه وحتى لحظة قراءتنا لهذه السطور يعكس قدرة الله اللامتناهية على الخلق و إنه مخلوق مسخر لخدمة الإنسان ويحمل الآيات العظيمة التي تسوق الإنسان للتأمل والتفكر في عظمة الخالق عز وجل .
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون البقرة/164
تناولنا في هذا الكتاب أمثلة عديدة منذ بداية خلق الكون حتى الآن وتحدثنا عن كل ما جرى ويجري في وقتنا الحاضر في أرجاء الكون من معجزات لا عدّ ولا حصر لها، وجمعنا هذه الأمثلة من المعجزات في ثلاثة أبواب هي:
1 المعجزات الموجودة في الكون .
2 المعجزات الموجودة في مجموعتنا الشمسية ومن ضمنها الأرض،
3المعجزات الموجودة في الكائنات الحية .
والهدف من تأليف هذا الكتاب إيراد أمثلة عديدة أمام القارئ للمعجزات المختلفة والتي تدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى وقدرته اللامتناهية، والهدف الأسمى هو جعل الإنسان يفكر ويتأمل في جميع الأشياء حوله و التي تنطق بقدرة الله فاطر السماوات والأرض .






أمثلة على المعجزات الموجودة في خلق الكون

الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا
الفرقان /2

النظام الدقيق الحاصل نتيجة الانفجار الكبير


إنّ الحقيقة المسلّم بها من قبل العلم الحديث هي ظهور الكون نتيجة انفجار عظيم في نقطة معينة وبعده أخذ في التوسع حتى أخذ شكله الحالي، وهذا الانفجار حدث قبل 15 مليار سنة تقريبا، و الفضاء الكوني و المجرات والكواكب والشمس وأرضنا، أو بمعنى آخر كل شيء يتألف منه الكون ظهر إلى الوجود بعد هذا الانفجار الكبير والذي يطلق عليه اسم BIG BANG واللغز المحير في هذا الموضوع يتلخص فـي:
كان من المفروض انتشار الذرات أو الدقائق التي تتألف منها في الفضاء الكوني بصورة اعتباطية بعد حصول الانفجار الكبير، ولكن الذي حدث هو العكس تماما، فقد تشكل كون ذو ترتيب وتنظيم على درجة عالية من الدقة، ويشبّه العلماء انتشار المادة في الكون عشوائيا لتتشكل المجرات والشموس النجوم والمجموعات التابعة لكل منها بكومة من القمح في صومعة ألقيت عليها قنبلة يدوية واستطاعت هذه القنبلة أن تضع القمح في بالات منتظمة الشكل مرصوفة وموضوعة فوق الرفوف وفق ترتيب محدد بل إنّ ترتيب أجزاء الكون أكثر دقة من ترتيب بالات القمح وبصورة غير اعتيادية، ويعبر البروفيسور فريد هوبل prof. Fred Hoyleعن حيرته أمام هذه الظاهرة بالرغم من كونه معارضا لنظرية الانفجار الكبير قائلا :
تؤمن هذه النظرية بأن الكون وجد بعد حدوث انفجار كبير جدا، ومن البديهي أن أي انفجار يؤدي إلى تشتيت المادة إلى أجزاء بصورة غير منتظمة إلا أن الانفجار الكبير أدى إلى حدوث عكس ذلك بصورة غامضة فقد أدى إلى تجمع المواد بعضها مع بعض لتتشكل منها المجرات 5 .
ولا يمكن تفسير حدوث انفجار كبير جدا لمادة الكون ونشوء نظام دقيق ذي ترتيب وتنسيق تام بين أجزائه وعلى درجة كبيرة من الدقة إلا بكلمة المعجزة. ويعبر آلان سانديج Alan Sandge الأخصائي في الفيزياء الفلكية عن هذه الحقيقة قائلا :
‘’أجد من الاستحالة أن ينشأ هذا النظام الدقيق اعتباطا، فكما أن وجود رب هو لغز محير بالنسبة إلي إلاّ أن التفسير الوحيد لمعجزاته هو أنه موجود بالفعل 6 .
والمعجزة الكبرى، كما يعبر عنها العلماء تتمثل في اتحاد الذرات مع بعضها نتيجة الانفجار الكبير لتأخذ أنسب صورة ممكنة مشكلة مع بعضها الكون المتميّز بالدّقة والانتظام والذي يتألف بدوره من ملايين المجرات و هذه المجرات تتشكل من ملايين النّجوم بالإضافة إلى التريليونات من الأجرام السّماوية، فالذي أبدع هذه المعجزات هو الله القادر على كل شيء .
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا الفرقان / 2 المقياس المعجز لسرعة تمدد الكون
إن سرعة تمدد الكون لها مقدار ثابت لا تحيد عنه ومناسب للشكل الحالي الذي بلغه الكون، فلو كانت هذه السرعة أقل قليلا من هذا المقدار لما استطاعت المجموعات الشمسية أن تتشكل بل لرجعت كسابق عهدها أي مادة منكمشة، ولو كانت هذه السّرعة أكبر قليلا لما استطاعت المادة أن تتوحد لتشكل المجرات والنجوم ولاندثرت وتلاشت في الفضاء الكوني، وفي كلا الحالتين تصبح استحالة وجود الحياة ومن ضمنها حياة الإنسان أمرا واردا، إلا أن الحالتين لم تحدثا طبعا وتمدد الكون بسرعة معينة اعتمادا على المقياس الدقيق آخذا شكله الحالي، ولكن ما مدى دقة هذا المقياس ؟
لقد قام البروفيسور بول ديفيس أستاذ الفيزياء الرياضية في جامعة اديلياد الأسترالية بإجراء أبحاث عديدة للتوصل إلى إجابة عن هذا السؤال وانتهى إلى نتيجة مدهشة وهي أنّ أي تغير في سرعة تمدد الكون مهما كان ضئيلا حتى لو كان بنسبة 1 إلى مليار مليار أو 10/1 قوة 18 لما استطاع الكون أن يظهر إلى الوجود، ويمكننا أن نكتب النسبة المئوية السابقة كما يلي0.000000000000000001 أي أن مجرد حدوث تغيير ولو بهذا المقدار الضئيل جدا جدا يعني عدم إمكانية ظهور الكون. ويعلق البروفيسور على هذه النتيجة قائلا:
‘’إن الحسابات تدل على أنّ الكون يتمدد بسرعة دقيقة للغاية، ولو أبطأ الكون في التمدد قليلا لحدث الانكماش نتيجة قوة الجذب، ولو أسرع قليلا لتشتّتت المادة واندثرت في الفضاء الكوني، وإن التوازن الحاصل بين هذين الاحتمالين الخطيرين يعكس لنا مدى الدقة والحساسية في هذه السرعة، فلو تغيّرت سرعة تمدد الكون بعد الانفجار و لو بمقدار 10/1 قوة 18 لكان ذلك كافيا لإحداث خلل في التوازن، لذلك فإن سرعة تمدد الكون محددة بشكل دقيق إلى درجة مذهلة، ونتيجة لهذه الحقيقة لا يمكن اعتبار الـBIG BANG انفجارا عاديا بل انفجارا منظما ومحسوبا بدقة من كافة النواحي 7.
وتناولت مجلة ‘’العلم’’ SCIENCE المشهورة في مقال لها هذا التوازن الدقيق الذي صاحب بداية نشأة الكون كما يلي:
لو كانت كثافة الكون أكثر قليلا لأصبحت الجسيمات الذرية 1 تجذب بعضها بعضا وبالتالي لا يستطيع الكون أن يتمدد ويرجع منكمشا إلى نقطته الأصلية وفق مبادئ نظرية ‘’النسبيّة العامة’’ لانشتاين. ولو كانت هذه الكثافة أقل قليلا في بداية تشكل الكون لتمدد بسرعة رهيبة ولما استطاعت الدقائق الذرية أن تجذب بعضها بعضا و لانعدمت امكانية نشوء النجوم و المجرات، ومن الطبيعي لما وجدنا نحن على وجه الحياة ! ووفقا للحسابات التي أجريت في هذا المجال فإن الفرق بين كثافة الكون في البداية وكثافته الحرجة أقل من 01^0 مقسوم على كوادريليون ٭٭ ، أي أن هذا الفرق يشبه إيقاف قلم على رأسه المدبب كي يظل واقفا لمدة مليار سنة أو أكثر، إضافة إلى ذلك كلما تمدد الكون ازداد التوازن دقة 8.
أما ستيفين هاوكينج Stephen Hawking الذي اعتبر مدافعا عن نظرية المصادفة في نشوء الكون إلا أنه تحدث في كتابه
‘’ التاريخ القصير للزمن ‘’ عن التوازن الدقيق في سرعة تمدد الكون قائلا: إنّ سرعة تمدد الكون تتسم بالحساسية الفائقة والدقة المتناهية حتى أن هذه السّرعة لو كانت أقل قليلا عند الثانية الأولى من الانفجار الكبير بمقدار 1 إلى مليون مليار لتعرض الكون إلى انكماش واستحال وصوله إلى صورته الحالية 9.
أما آلان جوث Alan Guth الذي يتبنى نظرية ‘’الكون المنتفخ Inflationary universe model’’ فقد تناول مسألة الانفجار الكبير في السنوات السابقة وأجرى حسابات عن التوازن الدقيق في سرعة تمدده وقد توصل إلى نتائج مذهلة للغاية.إذ توصل إلى أن الدقة في سرعة تمدد الكون تصل إلى نسبة 1 إلى 10قوة 55 10.
ولكن ما الذي يظهره لنا هذا التوازن الدقيق المذهل؟ بالطبع لا يمكن تفسير هذه الدقة الفائقة بكلمة المصادفة ويثبت لنا وجود تصميم خارق ومدهش، وبالرّغم من كون بـول ديفيس متبنيا للمادية إلاّ أنه يعترف بهذه الحقيقة قائلا:
‘’من الصعوبة أن نعارض فكرة وجود الكون بشكله الحالي بواسطة قوة عقلية دقيقة خصوصا بهذه الخاصية التي يتميز بها من ناحية الدقة الفائقة تحت أي تغيير عددي مهما بدا ضئيلا وطفيفا ... وإنّ الموازين العددية الحساسة التي تتصف بها الطبيعة في كافة أركانها تعتبر دليلا قويا على أن ثمة تصميم خارق لهذا الوجود 11.
وهكذا يتضح لنا مدى تأثير هذه الأدلة العلمية القاطعة في إقناع بول ديفيس المادي الفكر على أن هذا الكون لابد أن يكون مستندا إلى تخطيط وتصميم خارقين أو بالأحرى أن هناك خالقا له.


المسافات الفاصلة بين الأجرام السماوية


كما هو معلوم فإنّ كوكب الأرض هو جزء من المجموعة الشمسية، وهذه المجموعة تتألف من تسعة كواكب سيارة تدور في فلك حول الشمس، و تعتبر الشمس نجما متوسط الحجم مقارنة بالنجوم الموجودة في الكون، وهذه الكواكب تتبعها أقمار يبلغ عددها أربعة وخمسون قمرا، ويعتبر كوكبنا الأرض الثالث من ناحية بعده عن الشمس. ولنتأمل أولا حجم المجموعة الشّمسية التي ننتمي إليها، فقطر الشمس يبلغ 102 مرة بقدر قطر الأرض، وبتعبير آخر لو قمنا بتصغير الأرض التي يبلغ قطرها12200 كم حتى تبلغ حجم الكرة الزجاجية التي يلعب بها الأطفال عندئذ تكون الشمس بحجم ضعفي كرة القدم، ولكن النقطة الغريبة التي تلفت الانتباه هي المسافة الفاصلة بينهما فلو صغرناها كما صغرنا الحجم لكل منهما عندئذ تصبح المسافة الفاصلة 280 مترا أما الكواكب البعيدة فتصبح على بعد كيلومترات عديدة، ولكن المجموعة الشّمسية و بالرغم من حجمها الهائل فإنها تتواضع أمام حجم مجرة درب التبانة التي تعتبر جزءا منها، لأن هذه المجرة تحتوي على نجوم { شموس} كثيرة ومعظمها أكبر حجما من شمسنا ويربو عددها على 250بليون نجم، وأقرب هذه النجوم إلينا نجم يدعى ‘’ألفا سنتوري’’، ولتوضيح مدى قربه من مجموعتنا نرجع إلى المثال السابق الذي صغرنا فيه الأرض إلى حجم كرة زجاجية صغيرة والشمس تبعد عنها 280مترا عندئذ يكون النجم ‘’ الفاسنتوري’’ على بعد يقدّر بـ 78 ألف كيلومتر من الشمس !
ودعونا نصغر المثال السابق بنسبة أكبر،كأن تصبح الأرض بقدر ذرة غبار تكاد لا ترى بالعين المجردة، عندئذ تصبح الشمس بحجم ثمرة الجوز وتبعد عن الأرض بمسافة 3 أمتار، و نجم الفاسنتوري سيكون في هذه الحالة على بعد 640كم من الشمس، إذن فمجرة درب التبانة تحتوي على 250 بليون نجم تفصل بينهما هذه المسافات الشاسعة جدا، وتقع شمسنا على أحد أطراف هذه المجرة ذات الشكل الحلزوني. والأغرب من ذلك أن حجم هذه المجرة يعتبر صغيرا جدا بالمقارنة مع حجم الكون، فالكون يحتوي على مجرات أخرى يقدر عددها بـ200 بليون مجرة !... أما المسافات الفاصلة بين هذه المجرات فأكبر من المسافة بين الشمس والفاسنتوري بملايين المرات.
والمسافات الفاصلة بين الأجرام السماوية وطريقة انتشارها في الكون تعتبر ملائمة ولازمة لاستمرار الحياة على الأرض فهذه المسافات الفاصلة مرتبة وموجودة بطريقة تتلاءم مع القوى المؤثرة وبالتالي تشكل عاملا ضروريا للحياة على كوكب الأرض، وكذلك تعتبر هذه المسافات الفاصلة عاملا مؤثرا على باقي الكواكب وأفلاكها تأثيرا مباشرا، ولو كانت هذه المسافات أصغر قليلا لأثرت قوى الجذب الهائلة الموجودة بين كتل النجوم المختلفة وبالتالي أدى ذلك إلى إحداث خلخلة في أفلاك الكواكب، وهذه الخلخلة كانت ستؤدي حتما إلى تفاوت كبير في الحرارة، ولو كانت هذه المسافات أكبر قليلا لتشتتت المعادن المنطلقة من النجوم العملاقة ولما نشأت كواكب مثل الأرض. وتعتبر المسافات الكونية الحالية مثالية وملائمة لنشوء مجموعات شمسية كالتي ننتمي إليها .
ويقول البروفيسور مايكل دينتون Michael Denton الأخصائي في الكيمياء الحيوية في كتابه ‘’مصير الطبيعة Nature’s Destiny:
إن المسافات الفاصلة بين النجوم العملاقة بل كافة النجوم تعتبر قضية حساسة جدا، فهذه المسافات تقدر كمتوسط لها بـ 30 مليون ميل بين نجوم مجرتنا، ولو تغيرت هذه المسافات بأن تكون أقل قليلا لأصبحت مدارات الكواكب غير مستقرة، ولو كانت أكبر قليلا لكانت المادة المنطلقة من قبل النجوم المنفجرة سوبر نوفا متشتتة تشتتا كبيرا للغاية لدرجة ينعدم معه تشكل مجموعات شمسية مثل التي ننتمي إليها. فإن كنا نريد كونا صالحا وملائما للحياة لكان من الضروري استمرار النجوم المنفجرة في الانفجارعلى وتيرة معينة. علما أنّ هذه الانفجارات تعتبر محددة للمسافات المعينة الفاصلة بين النجوم، وإن هذه المسافات البعيدة والمحددة موجودة فعليا وتمارس تأثيرها المباشر 12.
أما البروفيسور جورج كرنشتاين prof. George Greenstein فيتحدث عن هذه المسافات الشاسعة في كتابه ‘’الكون التكافلي The Symbiotic Universe’’ قائلا:
إذا أصبحت النجوم أقرب مما هي عليه الآن فلا يحدث إلا فرق طفيف في المفاهيم الفيزيائية الفلكية، فقد لا يحدث أي تغيير في العمليات الفيزيائية الجارية في النجوم وفي الأجرام السماوية الأخرى، ولو نُظر إلى مجرتنا من نقطة بعيدة عنها فلا يمكن تمييز أي تغيير فيها عدا أن عدد النجوم التي نراها ونحن مستلقين على الأعشاب يصبح أكثر. عفوا أود أن أضيف أن هناك فرقا آخر يحدث وهو استحالة وجود إنسان {مثلي}يلقي نظرة على هذه النجوم فهذه المسافات الشاسعة والهائلة الموجودة في الفضاء شرط أساسي لوجودنا 13.
ويوضح كرينشتاين سبب هذا بأن الفراغات والمسافات البينية الموجودة في الفضاء تعتبر عاملا رئيسيا في تأمين المتغيرات الفيزيائية بشكل ملائم لحياة الإنسان. ومن ناحية أخرى فإن هذه الفراغات البينية الواسعة تحول دون ارتطام أرضنا بالأجرام السماوية العملاقة السابحة في الفضاء. وملخص القول أن طريقة انتشار وتوزيع الأجرام السماوية في الكون تتلاءم في أبعادها ومواضعها مع حياة الإنسان و استمراره وأن هذه الفراغات لم تأت اعتباطا أو بصورة عشوائية بل تعتبر نتيجة لعملية خلق من أجل غاية معينة، ويقول الله عز وجل في آيات عديدة بأن السماوات والأرض خلقتا من أجل حكمة معينة:
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ الحجر/85
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الدخان /38- 39





ضع تعليقك :///////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////




الموضوع الأصلي : سلسلة المعجزات // المصدر : Cairo9 // الكاتب: سهر اليالي


سهر اليالي
سهر اليالي
سلسلة المعجزات  Empty


سلسلة المعجزات  Clock11 الخميس 2 يونيو 2011 - 0:48
سلسلة المعجزات

.


التكون المعجز لعنصر الكربون


يعتبر الكربون أساس الحياة، ويتكون هذا العنصر الهام في مراكز بعض النجوم بعد سلسلة من التفاعلات الكيمائية الخاصة والتي يعتبر حدوثها معجزة في حدّ ذاتها، ولو لم تحدث هذه التفاعلات الإعجازية لما وجد عنصر اسمه كربون ولما وجدت الحياة أصلا، ونقول عن هذه التفاعلات بأنها إعجازية لأنها لا تحدث إلا في شروط وظروف خاصة وغير اعتيادية وخارج المألوف وخارج الاحتمالات، ويجب توفر كل تلك الشروط معا وفي آن واحد. ودعونا نتفحص هذا الحدث الخارق.
يتكون عنصر الكربون في نوى النجوم عبر مرحلتين من التفاعلات المختلفة، فالمرحلة الأولى تتمثل في اتحاد ذرتي هليوم لينتج من هذا الاتحاد عنصر انتقالي تحمل نواة ذرته 4 بروتونات و4نيوتورونات ويدعى هذا العنصر بـ’’بريليوم’’. وعندما تتحد ذرة هليوم ثالثة بذرة البريليوم ينتج عنصر الكربون الذي تحمل نواة ذرته 6بروتونات و6نيوترونات. والبريليوم الناتج من المرحلة الأولى يختلف عن البريليوم الموجود كعنصر كيميائي في كوكبنا، فلو فحصنا خواص البريليوم الموجود على الأرض في الجدول الدّوري لوجدنا أن ذرته تحمل نيوترونا زائدا، أما البريليوم المتكون داخل النجوم الحمراء العملاقة فيختلف عن مثيله الأرضي، ويدعى حسب المصطلح الكيمائي بـ’’النّظير’’، أما النقطة المهمة التي حيرت علماء الفيزياء لسنوات طوال فهي عدم استقرار هذا النظير المتكون داخل النجوم الحمراء العملاقة، وعدم الاستقرار هذا كبير لدرجة أنه ينحل خلال 1 x 10قوة -15من -الثانية أي بعد -0,000000000000001 ثانية فقط بعد تكونه- !
ولكن كيف يحدث تحول مثل هذا العنصر القلق جدا إلى عنصر الكربون ؟ إنّ العامل الرئيسي لتحويل هذا النظير إلى الكربون هو ذرة الهليوم، وهل أن قدوم هذه الذرة محض مصادفة؟ بالطبع من المستحيل، وهل من الممكن أن تحدث عدة مصادفات مثل اصطدام حجري بناء ببعضهما البعض وقبل انفصالهما بفترة قصيرة تقدر ب 1 x 10قوة -15ثانية يأتي حجر ثالث ليضاف إليهما و يتشكل بناء جديد؟ بل إن الأمر أكثر استحالة من هذا التشبيه، ويوضح بول ديفيس هذا الأمر المعجز كما يأتي:
إن عنصر الكربون الذي يعتبر الحجر الأساس للحياة على كوكبنا يوجد بكميات كبيرة في الكون وإن وجوده هذا يعتبر مصادفة محظوظة. ويتكون الكربون في مراكز النجوم العملاقة نتيجة اتحاد متسلسل لثلاث ذرات من الهليوم في فترة قصيرة وحساسة جدا. ولكون اصطدام نوى هذه الذرات المتماثلة أمرا نادرا للغاية ولأجل أن يكون التفاعل ذا منتوج وفير يجب توفر الظرف المناسب و الذي لا يتحقق إلا بمستويات معينة للطاقة تسمى بالمستوى الرنيني Resonance. وعند هذا المستوى يكتسب التفاعل تعجيلا بسبب خواصه الكوانتومية ٭. والمصادفة السعيدة تتمثل في كون ذرة الهليوم تتميز بهذا المستوى الرنيني المعين من الطاقة والملائم لهذا التفاعل ثم إنّ مستوى الطاقة لذرة الهليوم ملائم تماما لهذا التفاعل كأنما خلق لهذا الغرض 14.
إنّ هذه الحقائق المذهلة التي لا يمكن تفسيرها بالمصادفات ابدا جعلت من عالم مثل بول ديفيس والذي يؤمن بالمادية إيمانا أعمى يقوم بتفسيرها باستخدام تعبير مثل الحظ الحسن أو المصادفة المحظوظة علما أن هذه الحقائق لا يمكن أن تكون مصادفة بأي حال من الأحوال. وتبرز المعجزة بكافة أبعادها أمام هذا العالم ورآها بأم عينيه وشرحها للعالم ولكنه تمسك برأيه السّمج مفسرا إياها بتعابير لا منطقية مثل الحظ أو المصادفات من أجل إنكار الخلق.
فهذه ظاهرة تحدث في النجوم المسماة ب ‘’ العمالقة الحمر’’ وهي معجزة بالطبع وتدعى كيميائيا بـ: ‘’الرنين المزدوج’’، وتتمثل في اتحاد ذرتي الهليوم باستخدام رنينهما ليتكون رنين مزدوج ويضاف إليه خلال 1x10 قوة -15 ثانية ذرة ثالثة من الهليوم ليتشكل رنين آخر ينتج عنه الكربون، وهذه الظاهرة لا يمكن أن تحدث بتاتا تحت الظروف العادية. ويشرح لنا جورج كريتشتاين الطبيعة فائقة القدرة التي يمتلكها الرنين المزدوج قائلا:
تحدث هذه العملية متضمنة ثلاث مواد مختلفة الهليوم، البريليوم، الكربون ورنينين مختلفين عن بعضهما البعض اختلافا كبيرا، ومن الصعوبة بمكان فهم كيفية اتساق عمل نوى هذه الذرات المختلفة ...وإن التفاعلات النووية الأخرى لا تحدث بنفس السهولة التي تحدث بها التفاعلات التي ذكرناها سابقا وبنفس السّلسلة من المصادفات الحسنة النادرة ...ويمكن لنا تشبيه العملية كلها باكتشاف عدة أنواع من الرنين المعقد بين كل من الدراجة والسيارة والشاحنة.فكيف يمكن وجود أي تناغم بين هذه الأجسام المختلفة عن بعضها البعض كل هذا الإختلاف؟ إن حياتنا ووجودنا ووجود كل نوع من أنواع الحياة في الكون مبني على وجود هذا التنسيق والانسجام والتناغم في العمل ذي الطابع الخارق والمدهش 15.
و مثلما يتضح فإن التفسير الذي ساقه عالم مادّي مثل كرينشتاين والذي تضمن عبارة’’ سلسلة من المصادفات المحظوظة وغير العادية’’، بالرغم من تجلّي معجزة بكافة أبعادها أمامه يعتبر تفسيرا لا يمت إلى البحث العلمي بأية صلة، فكما أن تكون الكربون داخل النجوم العملاقة يشبه وجود رنين مشترك عميق ومعقد جدا بين الدّراجة والسيارة والشاحنة فإن حصوله تلقائيا أو مصادفة وفق تصور كرينشتاين أمر مستحيل للغاية، ولكن التزامه بالفكر المادي جعله يتجنب استعمال تعبير ‘’معجزة الخلق’’.
وفي السنوات اللاحقة تم اكتشاف تكون باقي العناصر مثل الأكسيجين نتيجة وجود أمثال هذه الرنينات الخارقة للعادة، والعالم فريد هويل هو الذي اكتشف هذه الحقيقة وذكرها في كتابه ‘’المجرات والنويات والكوازارات ’’Galaxies,Nuclei and Quasars مؤكّدا انعدام احتمال المصادفة في هذه العملية لكونها مخططة بدقة وعناية فائقتين، وبالرغم من كونه مادي الفكر متزمتا في فكره إلاّ أنه أذعن في النهاية على أن ‘’ الرنين المزدوج ‘’ الذي اكتشفه هو عملية مخططة بعناية فائقة 16.
ويذكر في مقال آخر له:
لو أردتم إنتاج كربون أو أكسيجين بواسطة الاندماج النووي الحاصل في النجوم فعليكم تهيئة مستويين أو خطين إنتاجيين، والمقاييس الواجب عملها هي المقاييس والمعايير نفسها الموجودة حاليا في النجوم.
وبعد تمحيص هذه الحقائق عقليا نتوصل إلى أن هنالك قوة عقلية خارقة متمكنة من الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء ولا مكان للحديث عن قوى غير عاقلة لتفسير ما يحدث في الطبيعة، وأن الأرقام التي تم التوصل إليها نتيجة الأبحاث والقياسات أدت إلى مثول حقائق مذهلة للغاية ساقتني إلى قبول هذا التفسير دون نقاش 17.
تأثر هوبل بهذه المعجزة تأثرا ملحوظا جعله ينتقد عدم إقتناع العلماء الآخرين بهذه المعجزة قائلا :
إنّ أيّ عالم يستقصي هذه الظواهر الطبيعية لا يمكن له أن يحيد عن النتيجة التالية: لو أخذت النتائج الحاصلة في مراكز النجوم بعين الاعتبار فلا يمكن إلا القول بأنّ قوانين الفيزياء النووية وضعت بشكل مقصود و هي ترمي إلى هدف معين 18.


المقياس الحساس لقوة جاذبية الأرض


تستند قوانين الفيزياء في الكون إلى أربعة مفاهيم للقوّة وهي ‘’ قوة الجاذبية’’ و’’ القوة الكهرومغناطيسية ‘’ و ‘’ القوّة النوويّة العظمى’’ و ‘’ القوة النووية الصغرى’’ أو ‘’ القوة الضعيفة’’ والتّناسب والانتظام الموجود بين هذه القوى الأربع هو الذي حدّد شكل الكون الحالي ووجوده ومدى ملاءمته لوجود الحياة فيه. وأهم هذه القوى المؤثرة على الكون تأثيرا مباشرا هي قوة الجاذبية، وأثبت نيوتن أن هذه القوة لا تؤثّر على ثمار التفاح في أشجارها أثناء سقوطها فقط بل إنّ هذه القوّة هي سبب حركة الكواكب في مدارات معينة لا تحيد عنها، أمّا إينشتاين فقد تحدث عن هذه القوة بنظرة أعمق متناولا كيفية انهيار النجوم العملاقة وتحولها إلى ثقوب سوداء. وفي الحقيقة تعتبر هذه القوة من القوى الرئيسية المؤثرة في الكون، و هي التي تسيطر على حركة تمدد الكون، ولهذه القوة قيمة ثابتة مناسبة لتشكل الكون الذي نعيش فيه.
ولو كانت هذه القوة أكبر مما عليه الآن لتشكلت النجوم الحالية خلال فترة أقل ولأصبحت أصغر نجمة في كوننا أكبر بـ 1,4 مرة من شمسنا، وتصبح هذه النجوم مشعة إلى درجة غير مستقرة مؤدية إلى استحالة توفر الظروف المناسبة لنشأة الحياة على الكواكب التابعة لها، والحياة لا تنشأ إلاّ بوجود نجوم بحجم شمسنا الحالية.
كذلك لو كانت قوة الجاذبية أكبر مما هي الآن لتحولت النجوم العملاقة الموجودة في الكون إلى ثقوب سوداء ضخمة ولأصبحت الجاذبية للكواكب الصغيرة كبيرة إلى درجة أن أيّ جسم أكبر من الحشرة لا يستطيع الوقوف على قدميه بسهولة.
ومن ناحية أخرى لو كانت هذه القوة أقل مما هي عليه الآن لأصبحت النجوم في الكون صغيرة الحجم لا يتجاوز حجم أكبرها0,8من حجم شمسنا الحالية، ومهما كان سطوع وإشعاع هذه النجوم كافيا لنشأة الحياة على الكواكب التابعة لها إلاّ أنّ المعادن الثقيلة واللاّزمة للحياة لم تكن لتتكون في الفضاء السحيق، لأن هذه المعادن الثقيلة ومنها الحديد لا تتشكل إلا في مراكز النجوم العملاقة. وهذه النجوم العملاقة هي التي تستطيع فقط صنع عنصر البريليوم والعناصر الثقيلة الأخرى وتنشرها في أرجاء الفضاء. وهذه العناصر ضرورية لتشكيل الكواكب وتشكيل وإنشاء الحياة فيها.
ويتّضح مما تقدم أنّ أيّ تغيير ولو كان طفيفا في القيمة الثابتة لقوة الجاذبية تؤثر سلبا على الحياة وبالتالي تحول دون نشأتها ،ولو كان هذا التغيير كبيرا لما كان هناك شيء اسمه الكون، ولو كانت هناك أي زيادة في هذه القوة لانكمش الكون على نفسه قبل أن يبدأ بالتوسع ولو قلت هذه القوة بشكل كبير لما تشكل في الكون أي نجم أو أي مجرة.
أما ونحن نعيش على كوكبنا بسلام فهذا يعني عدم تحقق أي من هذه الاحتمالات المخيفة، فكل شيء في الكون خلق وفق ميزان دقيق ثابت، فالله فاطر السماوات والأرض والقادر على كل شيء هو الذي خلق الكون بهذه الصورة المتألفة من سلسلة من المعجزات المرتبة والمتوازنة،
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ
الملك/2-4


التوازن المعجز بين القوى الكونية المختلفة


عند تناولنا القوى الأخرى بعد قوة الجاذبية والتي تشكل بمجموعها القوى المؤثرة على القوانين الكونية نجد أنّ هناك توازنا دقيقا فيما بينها وتحمل كل منها قيمة عددية دقيقة جدّا وإلى أبعد الحدود .

قوة الجذب الكهرومغناطيسية

كما نعلم فإنّ كلّ شيء حيّ أو غير حي يتألف من مواد بنائية أي من لبنات تدعى بـ’’الذرات’’، وتتألّف من نواة حاوية على بروتونات ونيوترونات ومن إلكترونات تدور حول النواة ضمن مدارات معينة، وعدد البروتونات الموجودة في النواة هو الذي يميز نوع الذرة، فعلى سبيل المثال لو كان عدد البروتون مساويا لـ 1 فإن هذه الذرة تدعى بالهيدروجين ولو كان مساويا لـ2 فتدعى الذرة بالهليوم ولو كان مساويا لـ26 فإن الذرة تدعى بالحديد، ونفس الشيء يقال بالنسبة إليباقي العناصر الكيمائية. والبروتون الموجود في نواة الذرة يكون موجب الشحنة أمّا الإلكترونات السابحة حول النواة فشحنتها سالبة، وينشأ من هذا التضاد في الشحنة الكهربائية تجاذب بين الجسمين يؤدي إلى دوران الإلكترون حول النواة في مدار معين، وقوة التجاذب التي تنشأ من اختلاف الشحنة الخاصة بالبروتون عن الشحنة الخاصة بالإلكترون تدعى بقوة الجذب الكهرومغناطيسية، والمدارات التي تدور فيها الإلكترونات هي التي تحدد نوعية الأواصر التي يستطيع العنصر إنشاءها ونوعية الجزيئات الكيمائيّة التي تنتج عنها. فلو كانت هذه القوة التي تعتبر إحدى أربع قوى مؤثرة في الكون أقل مما هي عليه لأصبح هناك عدد قليل من الإلكترونات يستطيع الدوران حول النواة في مدارات معينة، أمّا لو كانت أكبر مما هي عليه لما استطاعت نواة الذرة تشكيل أواصر أو إشراك غيرها من الذّرات في المدارات الموجودة حولها. و في كلا الحالتين فإنّ هذا يعني استحالة وجود الجزيئات اللاّزمة والضروريّة لنشأة الحياة.

القوة النووية العظمى

وهي عبارة عن القوة التي تمسك البروتينات والنيوترونات في نواة الذرة، وكما ذكرنا في السّطور السابقة فإنّ البروتينات ذات شحنات موجية، وحسب قوانين الجذب الكهربائي فإن الشحنات المختلفة تتجاذب والمتشابهة تتنافر، أي أنّ البروتون والإلكترون يجذب أحدهما الآخر،
أما البروتون فيتنافر مع بروتون آخر، والإلكترون يتنافر مع الإلكترون الآخر، ومعظم نوى ذرات العناصر تتميز بوجود بروتونات عديدة ملتصقة ببعضها البعض، والطبيعي أن تتنافر هذه البروتونات مع بعضها وأن تبتعد عن بعضها بمسافات بعيدة وبتأثير قوة التنافر الكبيرة، ولكنّ الحاصل غير ذلك تماما فإن هذه البروتونات موجودة مع بعضها في النواة وبصورة مستقرة لأنّ هناك قوة أكبر من قوة التنافر الكهرومغناطيسية بكثير وتستطيع إمساك كل البروتونات متجاورة مع بعضها وتدعى بالقوة النووية العظمى ،وهذه القوة تعتبر الأعظم من بين القوى الأربع المؤثرة في الكون ، ويمكن مشاهدتها عند انفجار القنابل الذرية والهيدروجينية، وتعتبر مصدرا للطاقة التي تتولد في الشمس منذ 4^5 مليار سنة ومازالت تولد هذه الطاقة إلى 5 مليارات سنة قادمة وفق الحسابات التي أجريت، والقيمة العددية لهذه القوة العظيمة تعتبر إحدى القيم العددية المهمة في الكون، ولو حدث أي تغيير زيادة أو نقصانا ومهما كان طفيفا في هذه القيمة العددية لما نشأ عنصر اسمه الكربون الذي يعتبر المادة الأساسية لنشأة الحياة، ولو حدث تغيير ملموس عندئذ تتغير كافة القوانين الفيزيائية ويحدث اختلال في التوازن الكوني ممّا ينتج عنه فوضى واضطراب في النظام الكوني الحالي.
هناك تناسب حساس جدا بين القوة النووية العظمى وقوة الجذب الكهرومغناطيسية وهذا التناسب الحساس هو الذي يجعل نواة الذرة متماسكة ومستقرة، ولو كانت القوة النووية أصغر قليلا مما هي عليه لما استطاعت البروتينات أن تتجاور في النواة ولتنافرت مبتعدة عن بعضها البعض بمسافات بعيدة حسب القوانين الكهرومغناطيسية، ولاستحال تكون ذرة تحمل أكثر من بروتون في نواتها، عندئذ يصبح الهيدروجين هو العنصر السائد في الكون لا محالة .
ولو كانت القوة النووية أكبر قليلا مما هي عليه بالنسبة لقوة الجذب الكهربائي لاستحال تكون ذرة تحمل بروتونا واحدا أي يستحيل تكون الهيدروجين في الكون لأن البروتونات تجبر في هذه الحالة على التجاور مع بعضها البعض في نوى الذرات لكبر قوة الجذب النووية أي يستحيل تكون ذرات ذات بروتون واحد. أي يستحيل تكون الهيدروجين في الكون. وبتعبير أوضح لو لم تكن القوى المؤثرة في الكون تمتلك قيمها العددية الحالية بالضبط لما تكونت النجوم والنجوم العملاقة والكواكب والذرات ولما وجدت الحياة أصلا 19.


القوة النووية الصغرى


تعتبر هذه القوة من القوى المؤثرة في الكون وتمتلك قيمة عددية ثابتة ودقيقة جدا، وهذه القوة موجودة في بعض جسيمات الذرة وتسبب النشاط الإشعاعي للمادة ويمكن لنا أن نعطي مثالا على هذا النشاط الإشعاعي بتحلل النيوترون الموجود في نواة الذرة إلى بروتون و إلكترون ونيوترون مضاد .
ويتضح لنا من خلال هذا المثال أن النيوترون الموجود في نواة الذرة ما هو إلا جسيم ذري ناتج من اتحاد بروتون و إلكترون ونيوترون مضاد، والقوة النووية الصغرى هي القوة التي تؤدي إلى انحلال النيوترون إلى الجسيمات الثلاثة التي تتكون منها، ولكنّ هذه القوة موجودة على شكل حساس وموزون لدرجة أن هناك توازنا في هذا النّشاط الإشعاعي. و لو كانت قيمة هذه القوة أكبر قليلا مما هي عليه لتحلّلت النيوترونات في الكون وندر وجودها فيه، أي لأصبح الهليوم نادرا في الكون منذ الانفجار العظيم لأن هذا العنصر يحمل نيوترونين في نواة ذرته، ويمكن القول أنه كان سينعدم وجوده بالمرة. والمعروف عن الهليوم أنه أخف العناصر في الوجود بعد الهيدروجين، وإذا انعدم الهليوم في الكون ينعدم تكون العناصر الثقيلة في جوف النجوم في أثناء التفاعلات داخل مراكز النجوم نتيجة التفاعلات النووية التي تطرأ على نوى ذرات الهيليوم، وهذا يعني أن الهليوم يعتبر مادة خام لإنتاج العناصر الأخرى أي أن انعدام الهليوم يؤدي إلى انعدام العناصر اللاّزمة لنشأة الحياة و استمراريتها.
ومن ناحية أخرى لو كانت قيمة القوة النووية الصغرى أصغر قليلا مما هي عليه لتحوّلت ذرّات الهيدروجين المصاحبة للانفجار العظيم إلى ذرات الهليوم ولزادت كميات العناصر الثقيلة في مراكز النجوم زيادة غير عاديّة، وهذه الزيادة تؤدي حتما إلى استحالة نشوء الحياة.
وهناك عامل آخر يؤثر على مدى حساسية قيمة هذه القوة وهذا العامل يتمثل في تأثير هذه القوة على جُسيم ذرّي يدعى بـ’’النيوترينو’’، فالنيوترينوات هي الجسيمات التي تلعب دورا كبيرا في دفق العناصر الثقيلة و اللاّزمة للحياة و المتكونة في مراكز النجوم العملاقة إلى الفضاء السحيق.
وتعتبر القوة النووية الصغرى هي القوة الوحيدة التي تؤثر على جسيمات النيوترينو في الكون. وأيضا لو كانت هذه القوة أصغر قليلا مما هي عليه لأصبحت جسيمات النيوترينوات أكثر حرية في الحركة دون أن تتأثر بقوة جذب أي شيء، وهذا يعني أن هذه الجسيمات تستطيع أن تهرب من قوة جذب النّجوم العملاقة دون أن تتأثر بالطبقات الخارجية لهذه النجوم وبالتالي سيكون دفق العناصر الثقيلة إلى الفضاء مستحيلا. ولو كانت هذه القوة أكبر مما هي عليه لبقيت في مراكز النجوم قابعة فيه دون حراك وهذا يؤدي إلى صعوبة إطلاق العناصر الثقيلة المتكونة إلى الفضاء.
ويوضح بول ديفيس أن قوانين الفيزياء الأساسية والمؤثرة في الكون تحمل قيما معينة ومحددة لتناسب وتلائم حياة الإنسان، و إذا حدث أي تغيير طفيف في هذه القيم يتغير وجه الكون الحالي تغيرا ملحوظا، و يواصل قائلا:
ولما وجدنا نحن كبشر لنشاهد هذا الكون ... وكلّما استمر الإنسان في أبحاثه الفضائية اكتشف أموراً مثيرة لا يمكن تصديقها بالعقل الإنساني، وآخر ما توصل إليه الإنسان بشأن الانفجار العظيم يثبت أن الكون يتمدد بشكل دقيق وموزون لدرجة مثيرة للحيرة والإعجاب 20.
وتعتبر الأشعة الكونية دليلا قوياّ على حصول الانـفجار العظيم، وأوّل من اكتشف هذه الأشعة هما روبرت ويلسون وآرنوبنزياس الحاصلان على جائزة نوبل سنة 1965 ويقول آرنو بنزياس موضّحا هذا التخطيط والتصميم الخارقين للكون:
إنّ علم الفلك يقودنا إلى أمور غير عادية، إلى كون خلق من العدم، الكون الذي يحتوي على موازين دقيقة للغاية تكفي سببا لنشأة الحياة، أي أنّ الكون وجد بهذه الكيفية لتحقيق هذه الغاية 21.
ويقول البروفيسور روبرت جاسترو أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة كولومبيا ‘’إنّ الكون بالنسبة إلى الفيزيائيين والفلكيين هو المكان المناسب لعيش الإنسان والمحدد بمجموعة من القيم الرّياضية تحديدا ضيقا للغاية، وهذا التعريف يدعى بـ’’{ المبدأ الإنساني} وتعتبر هذه النتيجة برأيي من أكثر النتائج التي توصل إليها العلم الحديث غموضا ‘’ 22.
وكل ما أوضحناه في السّطور السابقة بشأن القوى الكونية المؤثرة من ناحية ثبات قيمها وتناسبها وتوازنها مع بعضها البعض بهذه الدّقة المتناهية يثبت لنا أنه لا تفسير لهذه الحقيقة باستخدام كلمة المصادفة وإنما التفسير الوحيد لها هو ‘’المعجزة’’ .ونستطيع أن نتثبت من كونها معجزة بإجراء القياسات التي تؤدي إلى نتائج ثابتة دائما ولا تتغير حتى بنسبة 1 إلى 100 أو 2 إلى ،100 إضافة إلى أن هذه الموازين الدقيقة هي نفسها لم تتغير حتى قبل وجود الإنسان أو وجود الحياة ولم تعان أي تغيير أو تحول في قيمتها وهذا يقوي من سلامة مفهوم المعجزة في تكونها، وهذا يعني أن الكون كما أوضح العلماء السّابقون منشأ ومستند إلى موازين دقيقة للغاية ومخلوق بشكل منتظم ومتقن للغاية. والادّعاء بأنّ المصادفة هي التي أوجدت هذا النظام المتوازن والمتقن يعتبر منافيا لقواعد العقل والمنطق حتما. والحقيقة أنّ هذا النظام المتوازن والموزون والمتقن لابد له من خالق ذي قدرة لا متناهية، والله سبحانه وتعالى هو الخالق والفاطر والمصور لهذا الكون .

الانسجام المعجز بين الإلكترون والبروتون


الانسجام بين الشحنات الكهربائية

إنّ البروتون أكبر من الإلكترون من ناحية الكتلة والحجم، فالبروتون يملك كتلة أكبر بـ1836مرة من كتلة الإلكترون، و لو أجرينا مقارنة مادية بينهما فإن الأمر يصبح كالمقارنة بين الإنسان وحبة البندق، ويمكن القول أنه ليس هنالك أي تشابه بين الإلكترون والبروتون .
والغريب أن هذين الجسمين بالرّغم من عدم تشابههما إلاّ أنهما يملكان نفس الكمية من الشحنة الكهربائية ولكن إحدى الشحنتين موجية والأخريسالبة، وكذلك تتميز الشحنتان بأنهما متساويتان من ناحية الشّدة، ولهذا السّبب تكون الذرة متعادلة الشحنة، والغريب هنا أن المتوقع أن تكون الشحنتان غير متكافئتين و لا يوجد أي مؤثر يجعلهما متساويتين بل المتوقع أن يكون الإلكترون أضعف شحنة من البروتون لكونه أصغر منه كتلة، وربّ سائل يسأل: يا ترى ماذا كان سيحدث لو كان الإلكترون غير متكافئ كهربائيا مع البروتون ؟
الجواب المنطقي أن تصبح جميع الذرات في الكون موجية الشحنة نتيجة وجود البروتون الموجب الشحنة، وهذا يؤدي إلى أن تصبح جميع الذرات متنافرة مع بعضها. ولو كان هذا الأمر حاصلا ماذا يصبح شكل الكون ؟ ماذا كان سيحدث يا ترى لو تنافرت الذرات مع بعضها البعض ؟
يحدث ما هو غير عادي بل أدهى من ذلك، ولنبدأ من التغييرات التي ستحدث في أجسامنا، فأول تغيير يحصل لحظة تنافر الذّرات مع بعضها البعض هو تمزق أيدينا التي تمسك بهذا الكتاب تمزقا فجائيا إربا إربا، وليست الأيدي فقط بل الأذرع والجذع والسّيقان و الرأس والعيون والأسنان، وبإيجاز فإنّ الجسم سيتمزق إلى أجزاء وأشلاء في لحظة واحدة، وحتى الغرفة التي نجلس فيها بل العالم الذي نشاهده من النافذة، من جبال و بحار و كذلك الكواكب الموجودة في المجموعة الشمسية و جميع الأجرام السّماوية في الكون تتلاشى في لحظة واحدة، و لا يمكن بعدها أن يتكون أي جسم مادي يمكن رؤيته بالعين المجردة، ويصبح الكون في النهاية عبارة عن تجمّع من الذرات المتنافرة مع بعضها البعض مشكلة عشوائية أو فوضى في كافة أرجاء الكون.
والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه: ما هي نسبة التغيير في شحنة الإلكترون والبروتون كي تحدث مثل هذه الفوضى الشاملة ؟ هل إنّ التّغير بنسبة 1إلى 100يكفي سببا لحدوث هذه الكارثة ؟ أم النسبة اللازمة هي 1إلى 1000؟ويقول البروفيسور جورج كرينشتاين في كتابه ‘’ الكون التكافلي ‘’ في هذا الصدد:
لو حدث تفاوت بين شحنتين كهربائيتين بنسبة جزء من 100بليون جزء لكان كافيا لتشتت واضمحلال الإنسان والحجر وسائر المواد الصغيرة. وهذا المقياس أكثر حساسيةّ بالنسبة إلى الأجسام الكبيرة كالأرض والشمس لأنها تحتاج إلى تغيير بنسبة 1إلى بليون بليون فقط كي تضمحل 23.

الانسجام العددي

إنّ الانسجام أو التوافق العددي بين الإلكترون والبروتون يمكن اعتباره أمرا مهما جدا في الكون. إنّ هذا التوافق العددي يؤدي إلى حدوث توازن بين قوة الجاذبية وبين القوة الكهرومغناطيسية. وقد حدث في الفترة ما قبل انتهاء الثانية الأولى من خلق الكون أن قامت البروتونات المضادة بإنهاء وجود نفس العدد من البروتونات وما تبقى من هذه البروتونات يمثّل عددها في الكون. وحدث الشيء نفسه للإلكترونات. فقد هجمت البوزوترونات أي الإلكترونات المضادة على نفس العدد من الإلكترونات فما تبقى من الأخيرة هو عددها الحالي في الكون. والفرق بين الإلكترونات والبروتونات في الكون صغير بنسبة محيرة فهي لا تتجاوز نسبة 1 مقسوم على 10 قوة 37 أي يمكن القول أنهما متساويان عدديا في الكون.
إن هذا التوافق العددي مهم جدا لإحداث التّوازن الكهربائي في أرجاء الكون لأن أية زيادة في عدد إلكترونات أو البروتونات تؤدي إلى حصول تنافر بين الجسيمات المتشابهة الشحنة وابتعادها عن بعضها. وهذا يؤدي إلى إعاقة اتحاد الجسيمات دون الذرة مع بعضها لتشكيل الذرة وبالتالي استحالة تكون الأجسام السماوية وبمعنى آخر استحالة تكون المجرات والنجوم والكواكب ومن ضمنها كوكبنا الذي نعيش عليه الأرض.






ضع تعليقك :///////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////




الموضوع الأصلي : سلسلة المعجزات // المصدر : Cairo9 // الكاتب: سهر اليالي


سهر اليالي
سهر اليالي
سلسلة المعجزات  Empty


سلسلة المعجزات  Clock11 الخميس 2 يونيو 2011 - 0:50
سلسلة المعجزات

.

الاحتمال المحير للعقول


لو فكرنا في كل الثوابت الفيزيائية التي يحويها هذا الكون الشّاسع والذي يمنحنا الحيز المناسب للعيش فيه لبرز أمامنا التساؤل الآتي: ماهي احتمالات نشوء مثل هذا الكون بالمصادفة؟ هل هي مساوية لـ1في البليون أم لـ1في التريليون التريليون أو رقم أصغر من ذلك بكثير ؟
إنّ هذه الاحتمالات قد تم حسابها من قبل البروفيسور البريطاني روجر بنروز prof.Roger Penroseالأخصائي في الرّياضيات - والزميل الحميم للعالم ستيفن هو كينج - وأثبتت حسابات الاحتمالات التي من الممكن حدوثها من ضمن النتائج المتعددة والمحتملة لما يحصل بعد الانفجار العظيم .
والاحتمالات التي توصل إليها روجر نبروز مساوية لـ 1 مقسوم على 10 قوة 10 قوة 123 ! ومن الصّعب جدّا استيعاب هذا الرقم منطقيا، فالتّعبير الرياضي 10قوة 123 يعني العدد 1وأمامه مائة وثلاثة وعشرون صفرا، إنّ هذا الرقم أكبر من مجموع عدد الذّرات في الكو ن أي أكبر من 10 قوة 78 وبالطبع فإن هذا الرقم خيالي لأن الرّقم الذي توصل إليه روجر بنروز مساوي لـ1ومعه 10قوة 123صفرا. ويمكننا استيعاب مدى كبر هذا الرّقم من خلال أمثلة عديدة منها : أن 10قوة 3 يعني 1000 أمّا 10قوة 10قوة 3 فيعني 1و أمامه 1000صفر، والرقم الذي أمامه تسعة أصفار يساوي بليون ولو كان عدد الأصفار 12 فيساوي تريليون ولكن أمامنا رقم 1 وأمامه 10قوة123صفرا وهذا الرقم لا يوجد له تعريف رياضي ممكن .
وفي الرياضيات فإن أيّ احتمال أصغر من 1 مقسوم على 10 قوة 50 يمكن اعتباره صفرا، أمّا النتيجة السّابقة فهي احتمال أصغر من 1 مقسوم على10 قوة 50 بمقدار يساوي تريليون تريليون تريليون مرة. وبإيجاز فإن احتمال نشوء الكون مصادفة مستحيل قطعا، ويعلق البروفيسور بنروز على هذا الرقم الخيالي قائلا :
إن هذا الاحتمال أي العدد واحد مقسوم على 10 قوة 10 قوة 123 يعكس لنا مدى وضوح وبيان الإرادة الإلهية في هذا الأمر، فالرقم الذي تم التوصل إليه مدهش ومحير، فالمرء لا يستطيع أن يكتب أو يتعامل رياضيا مع رقم بهذا الكبر لأنه عليه في هذه الحالة أن يضع 10 قوة 123صفرا أمام العدد 1 . ولو وضع صفر على جميع البروتونات والنيوترونات الموجودة في الكون لما تم الوصول إلى هذا العدد من الأصفار بل بقي وراءه كثيرا 24.
إن تحقق أكمل احتمال وأفضله من بين الاحتمالات الهائلة التي شرحناها بلسان علم الرياضيات لهو أفضل دليل وأقوى برهان على أن هذا الكون مخلوق. وبلا شك فإنّ الكون الذي نعيش فيه لم يأت نتيجة المصادفات العمياء أو سلوك الذرات غير العاقلة، فكل شيء في الكون حي أو غير حي ينطق بأنه مخلوق بقدرة الحي القيوم الذي لا شريك له .


الباب الثاني


المجموعة الشّمسية والموازين الإعجازية في خلق الأرض


وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
النحل /12


موقع المجموعة الشّمسية من المجرّة

إنّ مجموعتنا الشّمسية تحوي في جنباتها مقاييس وموازين وتوازنات مدهشة إلى جانب موقعها المتميز في مجرة درب التّبانة، والمدار الذي تدور فيه مجموعتنا الشمسية يقع على أطراف هذه المجرة ذات الشكل الحلزوني، وكما هو معلوم فإنّ هذه المجرة بسبب كونها حلزونية الشكل فهي ومثيلاتها من المجرات الأخرى تتميّز باحتوائها على أجرام سماوية تدور حول مركز كروي منتفخ ومرتّبة على أذرع طويلة لهذا الحلزون في مستوى واحد علما أنّ هذه الأذرع ملتوية بنفس الزّاوية، والفراغات الموجودة بين الأذرع الحلزونية تحتوي على بعض المجموعات النجمية، ولكنّ عددها قليل جدا يصل إلى العدم. ومجموعتنا الشمسية تعتبر من ضمن هذه المجموعات النجمية النادرة والتي تحتل موقعها بين أذرع الحلزون. ولكن ما أهمية كون موقع مجموعتنا الشمسية بين أذرع الحلزون المجري ؟
قبل كل شيء تتميز مجموعتنا الشمسية بموقع فريد من نوعه بعيدا عن الفضلات الكونية والغازات الموجودة في الأذرع الحلزونية للمجرة لذلك فإن السّماء تبدو صافية وواضحة، ولو كنا نحتل مكانا في أحد الأذرع لكانت السماء تبدو دائما مكسوة بما يجعلها غير شفافة إلى حد ملحوظ.
وفي هذا الصّدد يقول البروفيسور ما يكل دينتون في كتابه ‘’ مصير الطبيعة Nature’s Destiny’’ ما يأتي:
الحقيقة الأخرى التي تملك على المرء عقله هي تميز الكون بأنه ملائم لكشف مجاهيله وسبر أغواره فضلا عن كونه ملائما لنا من ناحية حاجياتنا البيولوجية لأنه يهيّئ لنا الوسط الملائم لنشأة الحياة ... والعامل المهم الذي يساعدنا كبشر في استكشاف جنبات الكون والتعرف على أسراره هو وقوع مجموعتنا الشمسية مجاورة لأحد أذرع مجرتنا، ولو كانت هذه المجموعة تقع في مركز إحدى المجرات لاستحال علينا استكشاف بنيان المجرة الحلزونية واستحال أيضا التعرف على الكون وجمع المعلومات عنه 25.
والمعروف عن النجوم التي تشغل حيزا ما من الأذرع الحلزونية للمجرات أنها لا تستطيع البقاء طويلا في ذلك الموضع. بل تكون نهايتها أن تنجذب نحو داخل هذه الأذرع، ولكن شمسنا تعتبر حالة استثنائية لأنها ما تزال قابعة في مكانها منذ 4,5 مليار سنة. ومصدر هذا الثبات الموقعي للشمس نابع من كونها إحدى النجوم النادرة التي تقع على نصف قطر الدوران المشترك للمجرة Galactic co-rotation radius.
ولأجل بقاء نجم ما ثابتا في موقعه بين ذراعين حلزونيين للمجرة يجب أن يكون على بعد معين من مركز المجرة أي واقعا على نصف قطر دوران المجرة إضافة إلى تحركه بنفس السّرعة المركزية لدوران الأذرع الحلزونية ، وهذا يعني أن شمسنا تعتبر متميزة عن باقي المليارات من النجوم التي توجد في مجرتنا من ناحية الموقع والسرعة. وكذلك يمكن القول إنّنا في أكثر الأماكن أمنا وصيانة.26 لأننا نقع في الفراغات البينية الفاصلة بين الأذرع الحلزونية، وهذا الموقع يكون بعيدا إلى حد كبير عن تأثير الجاذبية التي تؤثر بها النجوم المكتضة في الأذرع وفي مركز المجرة والتي تؤثر على الكواكب وحركتها في أفلاكها .
الصفة الأخرى التي تتميز بها مجموعتنا الشمسية هي وقوعها بعيدا عن تأثيرات ومضاعفات الانفجارات التي تقع في’’ المستعرات العملاقة Super nova’’ وبالعكس فإنّ من المستحيل أن تبقى مجموعتنا الشمسية ومن ضمنها الأرض طوال 4 مليار سنة دون أي تأثير ملحوظ خارجي وهذه الفترة الزمنية كانت ضرورية كي تصبح الأرض ملائمة لنشوء الحياة.
ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول إنّ البشرية مدينة في حياتها و استمرارها لهذا الموقع الفريد والمتميز للمجموعة الشمسية، هذا الموقع الذي يسهل على الإنسان أن يستكشف الكون ويتعرف على آيات الله عز وجل في خلقه، وبتعبير آخر فإنّ الموقع المتميز للمجموعة الشمسية إلى جانب سمات القوانين الفيزيائية للكون يعتبر دليلا قويا على أن الكون مصمم لتأمين حياة الإنسان واستمرار هذه الحياة.

الموازين الدّقيقة للمجموعة الشمسية


من أهم الساحات التي تظهر فيها الموازين والنظم الدقيقة الموجودة في الكون هي المجموعة الشمسية التي توجد ضمنها أرضنا. إنّ النّظام الدقيق الموجود في المجموعة الشمسية بجميع كواكبها الصغيرة والكبيرة هو الذي مكنها من الاستمرار طوال 4 مليارات سنة.
تتألف مجموعتنا الشمسية من تسعة كواكب وتتبع هذه الكواكب أربعة وخمسون قمرا. ويمكن ترتيب هذه الكواكب حسب قربها من الشمس كما يلي: عطارد و الزّهرة و الأرض و المرّيخ و المشتري و زحل و نبتون و أورانوس و بلوتو. والكوكب الوحيد الذي يحتوي على غلاف جوي وسطح ملائم للحياة هو بلا شك كوكب الأرض. والعامل الذي يحمي الكواكب من تشتتها في الفضاء هو التوازن الموجود بين قوة جذب الشمس والقوة الطاردة المركزية للكواكب. فالشّمس بكتلتها العظيمة تؤثر على الكواكب بقوة جذب كبيرة جدّا ولكنّ الكواكب بدورانها حول نفسها توازن قوة الجذب بقوة الطرد المركزي وتتخلّص من جذب الشمس إلى حد ما، ولو كانت سرعة دوران الكواكب أقل مما هي عليه لانجذبت كليا نحو الشمس وابتلعت من قبلها مع انفجار كبير يحدث نتيجة البلع. ولو افترضنا العكس، أي لو كانت سرعة دوران الكواكب أكبر مما هي عليه عندئذ لن تكفي قوة الجذب الخاصة بالشمس لمسك الكواكب في مداراتها وبذلك تتشتت هذه الكواكب في الفضاء، إلاّ أنّ الواقع أن هناك توازنا بين القوتين يستند إلى دقّة فائقة تستمر بموجبها المجموعة الشمسية في البقاء.
ومن الجدير بالذكر أنّ هذا التوازن موجود لدى كل كوكب على حدة، وسبب ذلك اختلاف الكواكب من ناحية بعدها عن الشمس، وكذلك اختلافها من ناحية الكتلة، ولهذا السّبب فإنّ كلّ كوكب يحتاج إلى سرعة دوران معينة كي يتحقق التوازن المذكور، أي عدم الانجذاب كلّياّ نحو مركز الشّمس وكذلك عدم الانفلات في الفضاء. و لا شك أنّ هذا التوازن يفعل فعله بالتأكيد على كوكبنا الأرضي.
أمّا الأبحاث الفلكية فقد أثبتت في الآونة الأخيرة أنّ وجود الكواكب الأخرى يشكل عاملا مهما جدا في وجود الأرض في مدارها و ثباتها واستقرارها، وعلى سبيل المثال كوكب المشتري فهذا الكوكب يعتبر الأكبر من ناحية الكتلة ويعتبر وجوده مهما لحفظ توازن الأرض في حركتها ، وأثبتت الأبحاث الفلكية أن هذا الكوكب مهم لأحداث التوازن ليس للأرض فقط وإنما لباقي كواكب مجموعتنا الشمسية.
وهناك كواكب شبيهة بالمشتري في العديد من المجموعات النجمية الأخرى، إلاّ أنّ هذه الكواكب تختلف في أنها لا تشكّل عاملا لحفظ التوازن للمجموعة النجمية التي تنتمي إليها فضلا عن عدم كونها ذات تأثير على شقيقاتها من باقي كواكب تلك المجموعات النجمية. و في هذا الصّدد يقول الدكتور بيتر.د.وارد Dr.Peter D.Ward من جامعة واشنطن ‘’ إنّ كلّ الكواكب أشباه المشتري والممكن رؤيتها ثبت أنها غير ذات فاعلية إلاّ كوكب المشتري الموجود في مجموعتنا الشمسية. ويفترض في هذا الكوكب أن يكون كذلك وإلاّ كان سيحدث أمران: إمّا الوقوع في قلب الشمس أو الاندفاع نحو ظلام الفضاء ‘’ 27.
وهناك أمر آخر متعلق بهذا الكوكب وهو احتمال اصطدام المذنّبات بالأرض وبأعداد كبيرة لولا كوكب المشتري لأنّه بكتلته العظيمة يشكل مجالا مغناطيسيا يستطيع أن يجعل النيازك والمذنبات تنحرف عن مسارها المتجه نحو الأرض، وبهذه الصّورة يؤدّي هذا الكوكب وظيفة الدّرع الواقي للأرض عن طريق عمل مظلة مغناطيسية عملاقة. وعن هذه الوظيفة الثانية لكوكب المشتري يقول جورج فثريل George Wetherill الأخصائي في علم الكواكب في مقال خاص له بعنوان ‘’المشتري هذا الكوكب المتميز ‘’:
لو لم يوجد كوكب المشتري في مكانه الذي هو فيه لأصبح احتمال اصطدام النيازك والكويكبات الموجودة بالقرب من الأرض أكثر بألف مرة من الاحتمال السّاري حاليا في الحسابات الفلكية... ولو لم يكن كوكب المشتري موجودا في مكانه الحالي ما كنا نوجد نحن البشر ولما كان في إمكاننا البحث عن أصل مجموعتنا الشمسية 28.
إنّ الثّنائي المتكون من الأرض والقمر لهما دور كبير في تحقيق التوازن في بنيان المجموعة الشّمسية، فلو لم يكن هذا الثنائي موجودا لأثرت الجاذبية الهائلة لكوكب المشتري على الكواكب الداخلية مثل عطارد والزهرة مؤدية إلى عدم الاستقرار فيهما، ويتحول هذا الأمر بمرور الزمن إلى اقتراب مدارات كل من هذين الكوكبين من بعضهما إلى درجة كبيرة جدا، وهذا التقارب يؤدي إلى انفلات كوكب عطارد من المجموعة الشمسية وتغير مدار كوكب الزهرة، وقد أثبت خبراء برمجة الكمبيوتر أن الكتل الخاصة بالكواكب ومداراتها حول الشمس هي المعطيات المثالية المسببة لهذا التوازن العجيب في مسار المجموعة الشمسية منذ مليارات السنين وأي تغيير في هذه المعطيات مهما كان طفيفا يؤدي حتما إلى انعدام وجودها وبالتالي انعدام وجود البشرية.
وقد نشرت المجلة الفلكية المشهورة عالميا The Astronomical Journal مقالا في نوفمبر 1998 بشأن آخر النتائج الخاصة بالأبحاث الفلكية حول المجموعة الشمسية وقد وردت العبارة التالية: ‘’ إنّ المكتشفات الأساسية التي توصلنا إليها بشأن المجموعة الشّمسية تفيد بأن الاتّزان والاستقرار الطويل الأمد الموجود فيها يستند إلى تصميم أساسي ويستوجبه’’ 29.
وملخص القول أن بناء هذه المجموعة الشمسية قد صمم بشكل خاص وخارق للعادة لكي يكون ملائما لحياة الإنسان. وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدعو الناس إلى التمعن في هذه الحقيقة المتعلقة بمعجزة الخلق و منها قوله تعالى:
وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون النحل /12


التوازن الموجود في كوكب الأرض


إنّ مقدار حجم الأرض مهمّ جدا كأهمية بعدها عن الشمس وأهمية سرعة دورانها أو الشّكل الخارجي لها. وكبر الأرض هو بقدر ما يتلاءم مع وجود البشرية عليها و استمرارها بصورة متطابقة تماما من ناحية المقاييس المفترض وجودها، ولو قارنّا كتلة عطارد التي تشكل نسبة 8% من كتلة الأرض أو مع كتلة المشتري التي تكبر الأرض بمقدار 318مرة لوجدنا أن هذه الكواكب تختلف من حيث الكتلة اختلافا كبيرا. ويمكننا عبر هذه المقارنة أن ندرك بأنّ كتلة الأرض لها قيمة معينة هي الأمثل والأكثر ملاءمة وأن هذه القيمة لم تأت مصادفة قط. ولو تأمّلنا وتمعنا في مقاييس الكرة الأرضية لتوصلنا إلى كونها الأمثل والأنسب لمثل هذا الكوكب. ويعطي عالمان جيولوجيان أمريكيان هما بريس Press وسيفر Sieverمعلومات قيمة عن مدى ملاءمة مقاييس الأرض وأبعادها كما يلي:
إنّ كبر الأرض هو بالضبط بقدر ما يفترض فيه أن يكون، ولو كان ذا قيمة أصغر لضعفت جاذبيتها ولما استطاعت أن تمسك الغلاف الجوي المحيط بها، ولو كان ذا قيمة أكبر لقامت بمسك الغازات السّامة أيضا ولتسمم غلافها الجوي وبالتالي تنعدم الحياة على سطحها 31.
وهناك عامل آخر يضاف إلى عامل الكتلة من جملة العوامل المتلائمة وهو عامل البناء الدّاخلي للأرض، فالطبقات المكونة لكوكب الأرض تكسبه مجالا مغناطيسيا يلعب دورا رئيسيا للحفاظ على حياتنا. ويعلق بريس وسيفر على هذا الأمر بالقول:
إنّ نواة الأرض تعتبر مولّدا للحرارة يستمد قوته عبر الإشعاعات النووية، وتتميز هذه النّواة بتوازن حسّاس جدّا... ولو كان هذا المولّد يعمل بشكل أبطأ لما استطاعت القارّات أن تتخذ شكلها الحالي ... وكذلك لما انصهر الحديد وبالتّالي لا يسيل نحو المركز ومن ثمّ لما تكوّن المجال المغناطيسي المعروف للأرض...ولو كان هذا المولد يعمل بسرعة أكبر مما هو عليه كافتراض لوجود وقود إشعاعي أكثر للأرض لتكونت السحب البركانية ملبدة
السماء وحاجبة ضوء الشّمس مؤدية بذلك إلى زيادة كثافة الغلاف الجوي مع زيادة ملحوظة في الانفجارات البركانية والزلازل الأرضية 32.
والمجال المغناطيسي الذي يتحدث عنه هذان العالمان مهم جدا بالنّسبة إليحياة البشر، وهذا المجال ناشئ من مكونات الأرض كما ذكر نا. فمركز الأرض يحتوي على عناصر ذات صفات مغناطيسية كالحديد والنيكل، ويتميز مركز الأرض بأنّه يتألف من جزأين: خارجي ويكون سائلا وآخر داخلي ويكون صلبا، وهذان الجزآن يدوران حول بعضهما البعض وينتج من هذا الدّوران نوع من الحثّ المغناطيسي على المعادن الثقيلة وبالتّالي ينشأ مجال مغناطيسي، ويمتد تأثير هذا المجال المغناطيسي حتى خارج الغلاف الجوّي للأرض ويشكل حزاما واقيا لهذا الكوكب يقيه من الأخطار القادمة من الفضاء الخارجي، ومن جملة هذه الأخطار الإشعاعات الكونية القادمة من النجوم والتي تعتبر مميتة طبعا ولا تستطيع أن تخترق هذا الحزام الواقي، ويمتد تأثير هذا الحزام حتى عشرات الآلاف من الكيلومترات في الفضاء الخارجي على شكل أحزمة مغناطيسية تدعى أحزمة فان آلين والتي تقي الأرض من الإشعاعات المميتة .
هناك أنواع من السّحب الكونية تدعى بالسّحب البلازمية و هي تجوب الكون وتقدر الطاقة التي تحملها بما يعادل 100 مليار ضعف للطّاقة التي تولدها قنبلة ذرية كالتي ألقيت على هيروشيما، وتستهدف الأرض أيضا الأشعة الكونية الشديدة جدا بين الحين والآخر، إلاّ أن هذه الأخطار لا تستطيع اختراق المجال المغناطيسي للأرض إلا بمقدار واحد بالألف فقط. وهذا الجزء الضئيل يتمّ امتصاصه من قبل الغلاف الجوّي. إنّ توليد هذا المجال المغناطيسي يتم عبر استهلاك طاقة كهربائية تقدر بمليار أمبير وهذا الرقم يعادل تقريبا مجموع الطاقة الكهربائية التي ولدها الإنسان عبر التاريخ، ولو لم يكن هذا الحزام المغناطيسي الواقي موجودا لكانت الأرض عرضة للإشعاعات الكونية المميتة وربما لم تكن هناك إمكانية كي تنشأ الحياة على هذا الكوكب أصلا، ولكن كما يقول العالمان بريس وسيفر إنّ مركز الأرض هو تماما حسب ما يجب أن يكون بالضبط. وهذا هو ما حفظ الأرض وصانها.


الفاصلات المنتظمة لحرارة اليابسة


إنّ العالمين الأمريكيّين فرانك بريس وريموند سيفر والمتخصصان في علم طبقات الأرض {الجيولوجيا} يلفتان الانتباه إلى حرارة اليابسة والمعايير المدهشة التي تنظّمها، ويقولان بهذا الصدد ‘’ إنّ الحياة ممكنة في حدود معينة وضيقة جدّا للحرارة وهذه الحدود محصورة في 1% من الخطّ الحراري الممتد من الصفر المطلق حتى درجة حرارة الشمس وحرارة الأرض موجودة ضمن هذه الحدود الضيقة ‘’ 33.
إنّ الحدود الضيقة للحرارة لا يمكن المحافظة عليها إلا بوجود الأرض على بعدها الحالي المعروف عن الشّمس وكذلك تعتمد على كمّية الطاقة الحرارية التي تشعها الشمس. ووفق الحسابات العلمية فإنّ أيّ انخفاض في هذه الطاقة الحرارية الشمسية ولو بنسبة 10% يؤدي إلى تكون طبقات جليدية تغطي سطح الأرض وعلى سمك عدة أمتار، أمّا إذا حدث أي ارتفاع فهذا يؤدي إلى احتراق جميع الكائنات الحية وموتها.
إنّ من المهم أيضا أن يتم توزيع هذه الحرارة المناسبة للأرض بشكل متوازن داخل كوكب الأرض. وهذا التوازن يتوقف على عدة عوامل منها ميل محور لأرض بـ23درجة و 27 دقيقة، وهذا يؤدي إلى ضبط التفاوت الحراري في الغلاف الجوي بين منطقة خط الاستواء وبين القطبين، وتتم الحيلولة دون ارتفاع درجة الحرارة ارتفاعا شديدا. ولو لم يوجد هذا الميل لمحور الأرض لكان الفرق بين درجة حرارة خط الاستواء وبين درجة حرارة القطبين كبيرا جدا ولاستحال وجود غلاف جوي مساعد لنشوء الحياة على هذا الكوكب.
وهناك عامل آخر وهو دوران الأرض حول محورها بسرعة معينة. فهذا الدوران من العوامل المؤثرة على التوازن الحراريّ. فالأرض تكمل دورة واحدة حول محورها كل 24 ساعة وينتج عن هذا الدّوران اللّيل والنّهار، ولكون الدّوران المحوري للأرض سريعا إلى حدّ ما فإنّ اللّيل والنّهار يكون قصيرا، لذا يكون التفاوت الحراري بين الليل والنهار قليلا. و يمكن استيعاب هذه الحقيقة العلمية بإجراء مقارنة مع كوكب عطارد فهذا الكوكب يتميز بأنّ يومه أطول من سنته أي أنّ فترة دورانه حول محوره أطول من فترة إكماله لدورة واحدة في مداره حول الشمس، وينتج من هذا البطء الشّديد تفاوت شديد جدا في الحرارة بين الليل والنهار يصل إلى ألف درجة مئوية. كذلك يتوقف التوازن الحراري للأرض على التضاريس الموجودة على سطحها، فهناك فرق في الحرارة بين خطّ الاستواء وبين القطبين يصل إلى حد 100درجة مئوية، ولو كان سطح الأرض مستويا دون أية انحناءات أو ارتفاعات بين المناطق الاستوائية والقطبية فإن هذا الفرق الحراري بينهما كان سيؤدي حتما إلى هبوب زوابع هائلة تصل سرعتها إلى ألف كم في الساعة. ولكن الذي يحدث في الواقع أن الزوابع التي تحدث نتيجة هذا الفرق الحراري يكبح جماحها من قبل السلاسل الجبلية الموجودة في مختلف أنحاء اليابسة كالهمالايا في الصّين وسلسلة جبال طوروس في تركيا وجبال الآلب في أوروبا وتستمر هذه السلاسل حتى تلتقي بالمحيط الأطلسي غربا وبالمحيط الهادي شرقا. أمّا المحيطات فإنّها تلعب دورا حاسما في امتصاص الحرارة الزائدة في المنطقة الاستوائية وتوازنها عن طريق نقلها شمالا وجنوبا.
أمّا الغلاف الجوي فإنه يحتوي على آليات طبيعية في الحفاظ على التوازن الحراري، فعلى سبيل المثال إذا زادت الحرارة في منطقة ما تزداد عملية التبخر وبالتالي تتكون السّحب، وهذه السّحب تقوم بعكس جزء من الأشعة الحرارية القادمة من الشمس مؤدية إلى عدم السّخونة الزائدة للهواء الذي تحتها فضلا عن اليابسة.
إذن فعوامل مثل بعد الأرض عن الشّمس و دورانها حول محورها بسرعة معينة وميل هذا المحور بدرجة معينة ووجود تضاريس مختلفة الشكل تغطي سطح الأرض كلّها تؤثر بصورة مستقلة على التوازن الحراري للأرض وعلى ثبات الحدود المعينة للحرارة والملائمة لحياة الإنسان.
هناك بعض من لا يريد الاعتراف بحقيقة أن بعد الأرض عن الشمس مصمم ومخطط بدقة كبيرة فيقولون:’’ توجد في الكون نجوم أكبر أو أصغر من الشمس. ومن الممكن أن تملك هذه النجوم مجموعاتها الشمسية الخاصة بها. فإن كانت هذه النجوم أكبر من الشمس فإن الكوكب الملائم للحياة يجب أن تبعد عن ذلك النجم أي عن شمسها بمسافة أكبر من مسافة الأرض عن الشمس. فمثلا إن كان هناك كوكب بحجم بلوتو يدور حول نجم عملاق آحمرفإن جو هذا الكوكب يكون دافئا وملائما للحياة مثل كوكبنا تماما’’
إنّ وجهة النظر السابقة غير صحيحة من ناحية مهمة وهي: لأنها لا تحسب حساب التناسب الموجود بين كتلة نجم وبين نوعية الإشعاع الصادرة منه. لأن هناك عاملا مؤثرا ورئيسا يلعب دوره في موجة الإشعاع الصادرة من أي نجم وهذا العامل هو كتلة النجم المشع إضافة إلى درجة حرارة سطحه التي تتناسب طرديا مع كتلته، فشمسنا تشع الإشعاعات فوق البنفسجية وضوءا مرئيا وأشعة تحت الحمراء نتيجة كون درجة حرارة سطحها 6000 درجة مئوية تقريبا فلو كانت كتلة الشمس أكبر مما هي عليه لكانت درجة حرارة سطحها أعلى.
و في هذه الحالة ترتفع مستويات الطاقة للإشعاعات الصادرة من سطحها وتزداد عملية الإشعاع للضوء فوق البنفسجي والذي يتميز بتأثيره المميت. وهذا التفسير يقودنا إلى استنتاج بأنّ النّجم الملائم لنشأة الحياة في مجموعتها ينبغي أن يكون له كتلة مقاربة لكتلة شمسنا. ولنشأة الحياة في أحد الكواكب التابعة لهذا النجم ينبغي أن يكون ذا بعد عن شمسه بقدر بعد الأرض عن الشمس، وبتعبير آخر فإن أيّ كوكب تابع إلى نجم أحمر عملاق أو أزرق أو أي نجم يختلف اختلافا ظاهرا عن شمسنا من حيث الكتلة لا يمكن له أن يكون موطنا للحياة، فالنجم الوحيد الذي يمكن اعتباره موطنا لنشوء الحياة هو الشّبيه بشمسنا، والبعد المثالي لنشأة الحياة على أي كوكب تابع لمثل هذا النجم هو بعد الأرض عن الشمس.
بعد ما تقدم نستنتج أن الأرض والشمس وما يتعلق بهما من ناحية البعد بينهما ومدارتهما وميلهما والإشعاع الصادر والضوء وكل شيء يتعلق بهما مخلوق بالعناية الإلهية كي تنشأ الظروف الملائمة لحياة الإنسان، ويمكن اعتبار المسافة الفاصلة بينهما معجزة. وهناك تفاصيل أخرى و بالآلاف للعلاقة بين الأرض والشمس وكلها موجودة وتحتوي على المقاييس المضبوطة واللازمة لحياة الإنسان وهي تعتبر مجموعة من المعجزات لا يمكن أن يستوعبها العقل الإنساني بسهولة. وشيء من هذا القبيل لا يمكن له أن ينشأ مصادفة، فلا يمكن القول بالمرة أن المصادفة هي السّبب كي تتجمع الذرات غير العاقلة لتشكل الأجرام السماوية ولتأخذ مواقعها المناسبة في الكون ولتحتوي على أفضل الظروف المناسبة لنشأة الحياة. وهذه الحقائق الكونية ليست إلا دليل قاطع على قدرة الله عز وجل على الخلق فهو يقول للشيء كن فيكون. و في آيات الذكر الحكيم ما يدعو الإنسان إلى التفكير والتدبر في آيات الله الموجودة في الأرض والسماوات و ما يدعوه إلى أن يحمده ويشكره على هذه النعم .قال تعالى:
إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين الأعراف /54
وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار إبراهيم/33-34


النسب المثالية للغلاف الجوي


إن الغلاف الجوي للأرض يتصف بكونه خليطا مثاليا ملائما للحياة. فهذا الخليط يتكون من 77 % نتروجين و21% أوكسجين و1% من الغازات الباقية مثل ثاني أوكسيد الكربون والأركون وغازات أخرى. ولنبدأ بفحص اهم هذه الغازات وهو الأوكسجين بالطبع، فهذا الغاز مهمّ جدا لأنه يستخدم من قبل أجسام الكائنات الحية وعلى رأسها الإنسان في إجراء التفاعلات الكيمائية لإنتاج الطاقة، ولهذا السبب نحن في حاجة دائمة للأوكسجين ونحصل عليه عن طريق التنفس. والمدهش هنا هو وجود توازن في نسبة الأوكسجين الذي نتنفسه يعتمد على أسس حساسة جدا، وفي هذا الصدد يقول مايكل دينتون Michael Denton:
هل من الممكن أن يحتوي غلافنا الجوي على نسبة أعلى من الأوكسجين وأن يضل ملائما لعيش الإنسان ؟ بالطبع لا، لأنّ الأوكسجين عنصر فعال جدا، ونسبته الحالية في الغلاف الجوي أي الـ21% هي النسبة المثالية لحياة الإنسان والتي لا يمكن تجاوزها، فلو زادت هذه النسبة واحدا بالمائة لزاد احتمال اشتعال الغابات بالصواعق بنسبة 70% 34.
أما جيمس لافلوك James Lovelock البريطاني والاخصّائي في الكيمياء الحيوية فعلق بخصوص هذا التوازن الحساس قائلا :
لو زادت نسبة الأوكسجين عن 25% لاشتعلت الحرائق في كافة الغابات الاستوائية والسهول القطبية بل كافة النباتات التي تشكل الحلقة الرئيسية في شبكة الغذاء للإنسان ... أما النسبة الحالية للأوكسجين فهي محفوظة بواسطة توازن دقيق بين حد الخطر وبين الفائدة 35.
إنّ هذا التوازن الدقيق للأوكسجين يتحقق بواسطة دورته في الطبيعة، فالحيوانات تستهلكه بصورة دائمة وتطلق ثاني أوكسيد الكربون أثناء الزفير، أما النباتات فتسلك سلوكا معاكسا لأنها تستهلك ثاني أوكسيد الكربون وتطلق الأوكسجين الضروري للحياة في الهواء، وتقوم هذه النباتات بإطلاق مليارات الأطنان من الأوكسجين يوميا إلى الهواء .
لو كانت الحيوانات والنباتات تملك نفس الفعاليات الحيوية لأصبحت الأرض كوكبا عديم الحياة، وبمعنى آخر لو كانت هذه الكائنات الحية تنتج الأوكسجين لأصبح الغلاف الجوي ذا خاصية فائقة على الاشتعال وتكفي شرارة لاشتعال حرائق كبيرة، وفي النهاية يتحول كوكبنا إلى قطعة من النيران، ومن جانب آخر لو كانت هذه الكائنات الحية تستهلك هذا الغاز مطلقة ثاني أوكسيد الكربون لأصبح الغلاف الجوي بعد برهة قصيرة خانقا للأحياء بالرغم من ممارستها لوظيفة التنفس الحيوية وفي النهاية يحدث الموت الجماعي للأحياء. إلا أن كل ذلك لا يحدث لأن الله الخالق القدير خلق كل شيء بميزان ولذلك يحافظ الأوكسجين على نسبته الثابتة في الغلاف الجوي والتي تعتبر النسبة المثالية لاستمرار الحياة على هذا الكوكب وحسب تعبير لاقلوك : ‘’ إن هذه النسبة تمثل حدا فاصلا بين الفائدة وبين الخطورة ‘’.
يتميز الغلاف الجوي بأنه خليط من الغازات الموجودة بنسب متوازنة توازنا حسّاسا للغاية فكل غاز يوجد بالكمية والنسبة الملائمتين، حتى نسبة ثاني أوكسيد الكربون والضار بالإنسان مهمة جدا، فهذا الغاز يلعب دورا كبيرا في منع رجوع الإشعاعات الشمسية المنعكسة من سطح الأرض إلى الفضاء الخارجي محققا التوازن الحراري للأرض. إنّ مكونات الغلاف الجوي تبقى ثابتة نتيجة النشاطات الحيوية وطبيعة التغيرات الحادثة في التضاريس والطبقات الأرضية في جميع أنحاء الأرض. إنّ هذا التوازن مازال مستمرا منذ آلاف السنين وهذا الاستمرار يوفر الظروف الملائمة للأحياء، وإن هذه الظواهر الطبيعية تعتبر دليلا على أنها وجدت من قبل الله سبحانه وتعالى .
إنّ وجود ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي هو الذي يجعل درجة حرارة اليابسة في حدود 35 درجة مئوية، وهذا يعني أن انخفاض نسبة هذا الغاز في الجو يؤدي إلى جعل معدل درجة الحرارة لكوكب الأرض ليس 14 درجة مئوية بل -21درجة مئوية. أي أن المحيطات والبحار ستتجمد وتصبح الحياة مستحيلة على وجه الأرض .


كثـافة الهـواء


هناك ميزة أخرى للتوازن الموجود في الغلاف الجوي وهي كون هذا الغلاف بالكثافة المثلى الملائمة للتنفس. فالمعروف أن الضغط الجوي يعادل 760ملم زئبق {بمستوى سطح البحر} وكثافة الهواء في نفس المستوى تعادل غراما واحدا في اللتر، أما انسيابية الهواء بمستوى البحر فتعادل 50 ضعف انسيابية الماء. إنّ هذه القيم الواردة ليست مجرد أرقام بل حقائق طبيعية وضرورية لحياة الإنسان لأن الهواء الذي تتنفسه الأحياء يجب أن يتصف بهذه الخصائص المتميزة الموجودة حاليا مثل مقدار الكثافة والانسيابية والضغط الجوي ... الخ 36.
إن الرئتين تبذلان طاقة معينة للتغلب على ‘’ مقاومة الهواء ‘’ أثناء التنفس، ومقاومة الهواء تعني الممانعة التي يبديها الهواء ضد أي مؤثر يحاول أن يغير من حالته الحركية، إلاّ أن هذه المقاومة صغيرة للغاية نتيجة الخصائص الأخرى والمميزة للغلاف الجوي، ولهذا السبب تستطيع الرئتان أن تسحب الهواء إلى الداخل وتطلقه خارجا، ولو زادت هذه المقاومة قليلا لازدادت صعوبة عمل الرئتين أثناء التنفس، ويمكن توضيح عمل الرئتين بحقنة طبية نستطيع بواسطتها سحب الماء بسهولة ولكن من الصعب سحب العسل إلى داخلها، فالعسل أكثر كثافة من الماء وأقل انسيابية منه . إذن فإن أيّ تغير في خصائص الغلاف الجوي كالكثافة والضغط والانسيابية يصعب من عملية التنفس كالصعوبة الحاصلة في سحب العسل داخل حقنة طبية. وربّ سائل يسأل: هل نستطيع أن نوسع من قطر الحقنة الطبية وبعبارة أخرى أن تتوسع القنوات التنفسية للرئتين ؟ إنّ هذا التساؤل غير منطقي لأن مثل هذا التوسع يبطل عمل القنوات التنفسية الشعرية والتي تشغل مساحة كبيرة في الرئتين، وتفشل الرئتان في الحصول على الكمية اللازمة من الأوكسجين للجسد، أي أن الخصائص المتميزة للهواء كالكثافة والانسيابية والضغط يجب أن تحمل قيما في حدود معينة ، وإن الهواء الذي نتنفسه يتصف بمثل هذه الخصائص ذات القيم المعينة والمحددة .
ويقول البروفيسور مايكل دينتون في هذا الصدد :
لو كانت كثافة الهواء أكبر مما هي عليه لزادت مقاومة الهواء وزادت معها صعوبة التنفس والحصول على الكمية الضرورية من الأكسجين للحياة بواسطة الرئتين الموجودتين حاليا في أجسام الكائنات الحية ولاستحال تصميم جهاز للتنفس ...ولو أجرينا مقارنة بين الاحتمالات المختلفة لضغط الغلاف الجوي والاحتمالات المختلفة لنسب الأوكسجين فيه باحثين عن قيمة عددية معينة مناسبة لحياة الإنسان لوجدنا حدا ومجالا ضيقا للغاية على خط الأعداد، وتتحقق جميع الظروف الحياتية الملائمة ضمن هذه الحدود الضيقة ومنها اكتساب الغلاف الجوي لخصائصه المتميزة ضمن هذه الحدود وهذا يعتبر أمرا مدهشا للغاية 37.
إن هذه المعايير الحساسة للغلاف الجوي ليست ملائمة لتنفس الأحياء فقط بل تعتبر سببا كافيا لبقاء كوكبنا كوكبا أزرقا اي حاويا على نسبة كبيرة من الماء، ولو انخفض الضغط الجوي لخمس معدلاته لزاد التبخر من المسطحات المائية الكبيرة، وإن هذا البخار الزائد سيغطي سماء الأرض ويعمل عمل البيت الزجاجي أي سيؤدي إلى رفع درجة حرارة الأرض، أما لو زاد الضغط الجوي بمقدار ضعف معدلاته الحالية لقلت عملية التبخر وقلت بالتالي نسبة البخار في الجو وتحولت معظم اليابسة إلى صحاري قاحلة. إلاّ أن كل هذه الاحتمالات لا تحدث أبدا لأن الله جلت قدرته خلق الأرض والشمس والكون بأبهى صورة وأكمل ميزان، وجعل في الأرض موازين دقيقة تعمل مع بعضها البعض بانسجام محققة الوسط الملائم لعيش الإنسان، ويدعو الله سبحانه وتعالى في كتابه المبين الإنسان إلى التفكر في آياته الموجودة في الأرض وفي السماء داعيا إياه إلى التمعن وشكره على هذه النعم التي لا تحصى .قال تعالى:
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ الرعد/2-4





ضع تعليقك :///////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////




الموضوع الأصلي : سلسلة المعجزات // المصدر : Cairo9 // الكاتب: سهر اليالي


سهر اليالي
سهر اليالي
سلسلة المعجزات  Empty


سلسلة المعجزات  Clock11 الخميس 2 يونيو 2011 - 0:51
سلسلة المعجزات

.

معجزة الضوء المرئي


تتميز النجوم والمصادر الضوئية المختلفة في الكون بأنها تشع ضوءا مختلفا بعضه عن بعض، وإن هذا الاختلاف نابع من الاختلاف الحاصل في الطول الموجي للضوء المنبعث من مصدره. والأطوال الموجية للإشعاعات الضوئية تختلف اختلافا كبيرا فيما بينهما، فالفرق بين طول موجة أشعة غاما والتي هي من الإشعاعات قصيرة الموجة وطول موجة الإشعاع الراديوي كبير جدا يقدر بـ10قوة 25 أو مليار مليار مليار مرة، والمعجزة التي نحن بصدد شرحها هي كون معظم الأشعة المنبعثة من الشمس محصورا في جزء قليل جدا ضمن هذا الفرق الشاسع للطول الموجي {10قوة 25 ، لأن الضوء أو الإشعاعات الملائمة لحياة الإنسان توجد ضمن هذا الجزء الضيق. والنقطة المهمة الواجب أخذها بعين الاعتبار هي الفرق الشاسع بين الأطوال الموجية المختلفة، فأقصر طول موجي يكون أصغر بمقدار 10قوة25 مرة من أطول طول موجي، والرقم 10قوة25 يساوي واحدا وبجانبه خمسة وعشرون صفرا، ولأجل فهم ماهية هذا الرقم يكتب على هذا الشّكل 10000000000000000000000000 ينبغي إجراء بعض المقارنات لمعرفة مدى هول وضخامة هذا العدد. على سبيل المثال يمكن القول بأن عمر الأرض يساوي 4 مليار سنة.فلو ذكرنا هذا العمر المديد بحساب الثواني نقول أنه يساوي 10قوة 17 ثانية. ولو بدأنا العد حتى البلوغ إلى رقم 10قوة 25 لاستغرق منا وقتا قدره 100مليون ضعف عمر الأرض على افتراض أننا مستمرون في العد ليلا ونهارا وبدون توقف، ولو وضعنا 10قوة25 ورقة من أوراق لعب القمار فوق بعضها البعض لامتد طول هذه المجموعة من هذه الأوراق خارج مجرتنا {درب التبانة} بمسافة كبيرة جدا بل حتى نصف الكون الذي يمكن رؤيته من الأرض 38.
فالأطوال الموجية المختلفة في الكون موزعة على مثل هذا الشريط الطويل جدا من القيم العددية الهائلة، والغريب هنا أن الإشعاعات القادمة إلينا من الشمس تنحصر في نطاق ضيق جدا ضمن هذه القيم العددية، وإنّ سبعين بالمائة من الإشعاعات القادمة من الشمس ينحصر طولها الموجي بين 20, -1,50 مايكرون، وتقسم هذه الإشعاعات إلى ثلاثة أقسام: الضوء المرئي و الأشعة تحت الحمراء و الأشعة فوق البنفسجية. وربما بدت هذه الأقسام كثيرة العدد نوعا ما ولكن مجموعها يشكل حيزا ضيقا ضمن الأطوال الموجية العديدة جدا في الكون، وبعبارة أخرى فإنّ الضوء القادم من الشمس يشكل ورقة واحدة ضمن الأوراق الـ10قوة 25 التي أوردناها في المثال السابق.
ولكن لماذا تم حصر الأشعة الشمسية ضمن هذا الحيز الضيق للغاية ؟
والجواب في غاية الأهمية :إن سبب كون الأشعة محصورة ضمن هذا الحيز الضيق نابع من كونها الأشعة الوحيدة الملائمة للحياة على هذا الكوكب. ويتناول الفيزيائي البريطاني إيان كـامبل Ian Campbell هذا الصدد في كتابه ‘’ الطـاقة والغـلاف الجـوي’’ Energy and The Atmosphere قائلا إن من المدهش جدا الى درجة لا يمكن تصديقها أن تكون الأشعة التي ترسلها الشمس موجودة ومحشورة ضمن النطاق الضيق جدا والضروري لإدامة الحياة.39


الانسجام المعجز بين ضوء الشمس وبين
عملية التركيب الضوئي


تستطيع النباتات أن تنجز أمرا يعجز عنه كل الخبراء في أرقى المختبرات المجهزة بأفضل الأجهزة الممكنة. وتقوم النباتات بهذا العمل الرائع منذ ملايين السنين. فهي تقوم باستخدام الضّوء الشمسي في أثناء عملية التّركيب الضوئي لإنتاج الغذاء، ولكن هذه العملية لا تتحقق إلاّ بشرط كون الضوء القادم من الشمس ملائما لإجراء هذه العملية الكيماوية.
والشيء الذي يكسب النباتات ميزة إجراء عملية التّركيب الضوئي هو وجود جزيئات الكلوروفيل في خلاياها وهذه الجزيئات تتصف بكونها حساسة تجاه الضوء.ولكن الكلوروفيل لا تستطيع سوى استعمال الأشعة الضوئية ذات الأطوال الموجية المعينة الطول والشمس بدورها تشعّ ضمن ضوءها هذه الأطوال الموجية. والجانب المهم في الموضوع يكمن في وجود هذه الأطوال الموجية في جزء واحد فقط من ضمن أطوال موجية هائلة العدد يبلغ عددها 10 قوة 25 في الكون. إنّ كون الضوء المنبعث من الشمس ملائما تماما لصفات الضوء اللاّزم لإحداث عمليّة التركيب الضوئي يعتبر أمرا محيرا للغاية. ويعلق الفلكي الأميركي جورج كرينشتاين George Greensteinعلى هذا الأمر في كتابه ‘’الكون التكافلي ‘’ قائلا :
إنّ الجزيئة التي تقوم بعمل التركيب الضوئي هي جزيئة الكلوروفيل...وخطوات هذا التركيب الضوئي تبدأ بعملية امتصاص الكلوروفيل لضوء الشمس، ولأجل حدوث هذا الامتصاص ينبغي أن يكون هذا الضوء باللّون المناسب، واللون غير المناسب غير مفيد طبعا في إجراء هذه العملية. ولتبسيط الأمر نورد المثال الآتي: التلفزيون ينبغي أن يكون قادرا على استلام البث بتردد معين كي تظهر الصورة في قناة معنية على الشاشة، ولو غيرنا قابلية الاستلام على تردد آخر لاختفت الصورة من الشاشة، ونفس الشيء يجري في عملية التركيب الضوئي، فالشمس يمكن تشبيهها بمحطة الإرسال التلفزيوني والكلوروفيل يكون بمثابة التلفزيون المستقبل لهذا الإرسال، فلو لم يكن الكلوروفيل والشمس تعملان بنفس التردد لما حدثت عملية التركيب الضوئي، فلو نظرنا إلى الأشعة الضوئية القادمة من الشمس لأدركنا أن ألوانها هي نفس الألوان التي تعتبر ضرورية لإحداث هذه العملية 40.
وربما قال قائل نتيجة إدراكه السطحي لعملية التركيب الضوئي والنباتات ‘’إن النباتات كانت ستبدي تكيّفا ملائما لأي اختلاف في ضوء الشمس القادم إلينا ‘’ولكن هذا غير ممكن بالمرة، وهذا النفي يؤكده جورج كرينشتاين نفسه بالرغم من كونه أحد دعاة نظرية التطور قائلا:
ربما يعتقد إنسان أنّ هناك نوعا من التلاؤم يحدث في هذا الأمر، أو يفترض أن النبات يبدي تغييرا أو تكيفا تلاؤما مع خصائص الضوء القادم من الشمس،أي لو كانت حرارة الشمس مختلفة اي لو كانت تشع اشعاعا مختلفا الا يمكن أن تتطور جزيئة أخرى بدلا من الكلوروفيل بحيث تستطيع الاستفادة من هذه الأشعة الجديدة؟
الجواب الواضح هو: ‘’لا’’... لأن جميع الجزيئات المختلفة تقوم في أحسن الفروض بامتصاص بعض ألوان الضوء فقط من ضمن الطيف الضوئي الكبير جدا، وإنّ عملية امتصاص الضوء من قبل الجزيئات تتوقف على حساسية الإلكترونات تجاه مستويات الطاقة العليا، ولو أخذنا أية جزيئة كانت لوجدنا أن عملية الامتصاص تتطلب نفس المستوى من الطاقة، فالضوء يتألف من الفوتونات والفوتون لا يتم امتصاصه أبدا إذا وجد على مستوى طاقة مختلف عن المستوى المفروض ......وبإيجاز هناك تلاؤم بين الخصائص الطبيعية للنجوم وبين الخصائص الطبيعية للجزيئات، ولو لم يكن هذا التلاؤم العجيب موجودا لأصبحت الحياة مستحيلة 41.
ويلخص كرينشتاين قوله بما يلي: إنّ قدرة أيّ نبات على إجراء عملية التّركيب الضوئي ممكنة ضمن أطوال موجية معينة فقط. وهذه الأطوال الموجية هي الأطوال الموجية للضوء القادم إلينا من الشمس. والتلاؤم الذي يتحدث عنه كرينشتاين بين ‘’الخصائص الطبيعية للنجوم وبين الخصائص الطبيعية للجزيئات ‘’ لم يأت عن طريق المصادفة أبدا ولا يمكن تفسيره على هذا الأساس أبدا لأنه تلاؤم خارق ومعجز، فإشعاع الشّمس للضّوء ملائم لنا من بين 10قوة25 طولا موجبا مختلفا، ووجود جزيئات معقدة التركيب على الأرض لاستقبال هذا الضوء واستخدامه في إجراء عملية التركيب الضوئي هو دليل قاطع على كون هذا التلاؤم موجودا بأمر الله سبحانه وتعالى.


الانسجام المعجز بين العين وبين ضوء الشمس


إنّ الضّوء الممكن رؤيته باستخدام حاسّة البصر يدعى بـ’’الضّوء المرئي’’ ويتألف من عدة أطوال موجية معينة، وجزء كبير من الطيف الشّمسي يقع ضمن هذه الأطوال الموجية. ولو دققنا في هذا الأمر لوجدنا أنّ أساس حدوث الرؤية هو قدرة خلايا الشّبكيّة على تمييز الفوتونات. وهنا ينبغي على الفوتون أن يكون ضمن الأطوال الموجية المذكورة سابقا، وإلاّ فسوف يكون هذا الفوتون إمّا ضعيفا جدا أو شديدا جدّا وفي كلا الحالتين لا يستطيع إحداث تأثير ما على خلايا الشبكيّة، أمّا كبر حجم العين أو صغره فلا يفيد شيئا في هذا المجال، و المهمّ هو مدى ملاءمة طول موجة الفوتون لحجم الخلية.
و من المعلوم أنّ مواد البناء الأساسية للخلايا الحية هي الجزيئات العضوية، وتتكون الجزيئات العضوية من مختلف المركبات الكيماوية للكربون ومشتقاته، وهذه المركبات والخلايا الحساسة للضوء والتي تتألف من هذه الجزيئات العضوية لا يمكن أن تميّز أطوالا موجية مختلفة عن الأطوال الموجية للضوء المرئي. وبإيجاز لا يمكن أن توجد عين مختلفة التصميم تعمل بكفاءة وفق الظروف الموجودة على كوكبنا ولا يمكن لها أن تستقبل الضوء غير المرئي أبدا.
ونتيجة لذلك تستطيع العين أن ترى أو تميز حدودا معينة من الأطوال الموجية وتتمثل في الضّوء المرئي للشمس. ولا يمكن إيراد تفسير وجود هذين العاملين صدور ضوء معين من الشمس ووجود عين ملائمة لتمييزه بكلمة المصادفة بل يمكن تفسيره بكلمة الخلق بقدرة الله عز وجل.
ويتناول البروفيسور مايكل دينتون هذا الموضوع بالتفصيل في كتابه ‘’مصير الطبيعة Nature Destiny’’ مؤكّدا أن العين المتكونة من الجزيئات العضوية لا تستطيع أن تميّز سوى الضّوء المرئي، ولا يمكن نظريا لعين لها خصائص أخرى مفروضة جدلا أن تميز الضوء غير المرئي أبدا ويقول في هذا الصدد :
إن الأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية وأشعة كاما ليست إلاّ إشعاعات تحمل طاقة هائلة وذات قدرة تدميرية متميزة، أمّا الأشعة تحت الحمراء وباقي موجات الميكرويف فلها ضرر بالغ على الحياة، و أمّا الأشعة القريبة من تحت الحمراء والموجات الراديوية فلها طاقة ضعيفة جدا ولا يمكن تمييزها ...ويتضح مما تقدم أن الجزء المرئي من الطيف الكهرومغناطيسي هو الملائم تماما لحاسة البصر وخصوصا لعين الإنسان وشبيهاتها من عيون الأحياء الفقرية والتي تعمل عيونها مثل كاميرا عالية الحساسية، ولا يوجد أي طول موجي آخر مناسب لهذه العيون أبدا 42
ولو تأملنا في هذه الأمور مجتمعة لتوصلنا إلى النتيجة التالية : وهي أنّ الشّمس مخلوقة بعناية تامة كي تشعّ هذا الضّوء وبهذه الأطوال الموجية التي تشكل جزء واحدا من 10قوة 25 جزء من الأطوال الموجية الموجودة في الكون ويكفي هذا الجزء للتوازن الحراري لكوكب الأرض، ويكفي أيضا لأداء الأحياء المعقدة التركيب فعالياتها الحيوية ويكفي أيضا لأداء النباتات عملية التركيب الضوئي ويكفي أيضا لتحريك حاسة البصر لدى الأحياء، ومن الضروري أن لا يكون كلّ ذلك نشأ مصادفة، ذلك التعبير البعيد كل البعد عن العقل والمنطق، بل هو الخلق بقدرة الله تعالى فاطر السماوات والأرض وما بينهما، وإن كل شيء مخلوق يعتبر حلقة في سلسلة المعجزات الإلهية والتي تبرز أمامنا في كل لحظة مذكرة إيانا بقدرة الله التي لا حدّ لها .


الخاصية الانتقائية المدهشة للغلاف الجوي


كما ذكرنا في السّطور السّابقة فإنّ الإشعاعات القادمة من الشمس تمتلك خصائص معينة تدعم الحياة على وجه الأرض ولكن يجب وصولها إلى الأرض بجرعات معينة لا تتجاوزها والضابط لها بالطّبع هو الغلاف الجوي. فالإشعاعات القادمة من الفضاء الخارجي باتجاه الأرض ينبغي أن تمر من الغلاف الجوي أولا، ولو لم يكن الغلاف الجوي ذا نفاذية انتقائية لما كانت هذه الإشعاعات ذات فائدة أبدا. والغلاف الجوي يتميز بخاصية معينة تجعله يعمل كمرشح للإشعاعات قبل نفاذها من خلاله نحو الأرض .
والظاهرة الإعجازية في الأمر تتمثل في أنّ الغلاف الجوي لا يسمح إلا لإشعاعات معينة بالنفاذ كالضوء المرئي والأشعة القريبة من تحت الحمراء. أما باقي الإشعاعات الكونية والضارة فلا يسمح لها أبدا بالمرور. ويعمل الغلاف الجوي عمل منخل أو مرشح للضوء أو الإشعاعات الفضائية المختلفة. ويشرح البروفيسور دينتون هذا الأمر كما يلي:
إن الغازات التي تغلف الغلاف الجوي تقوم بامتصاص كافة الإشعاعات القادمة من الفضاء عدا الضوء المرئي والأشعة القريبة من تحت الحمراء ويتم هذا الامتصاص بكفاءة عالية جدا، والأمر الملفت للانتباه هو سماح الغلاف الجوي للضوء المرئي والأشعة القريبة من تحت الحمراء بالنفاذ من خلاله من بين الكم الهائل من الأطوال الموجية الآتية من أغوار الفضاء. وتكاد الأشعة فوق البنفسجية و أشعة كاما والإشعاعات الباقية ذات الترددات العالية لا تصل إلى سطح الأرض 43 .
ومن المستحيل أن لا نميز الحدث الخارق الحادث أمامنا، فالشّمس تشعّ ضوءا مناسبا لنا من بين 10قوة 25 احتمالا للإشعاع، ويقوم الغلاف الجويّ بدوره بالسّماح لهذا الضوء المناسب بالنفاذ من خلاله. وهناك قليل من الأشعة فوق البنفسجية يصل إلينا من الشّمس ولكنّه يصطدم بحاجز متمثل في طبقة الأوزون.
وهناك نقطة أخرى مهمّة تعتبر ذات صلة بهذا الأمر وهي خاصّية النفاذية الانتقائية للماء. فالماء يسمح بمرور الضوء المرئي فقط.حتى الأشعة القريبة من تحت الحمراء والتي تعتبر مصدرا للحرارة لا تنفذ خلال الماء إلا لبضعة مليمترات فقط. لذلك فإنّ السّطح الخارجي للبحار والمحيطات والمسطّحات المائيّة الأخرى هو الذي يسخن نتيجة تعرضه لأشعة الشّمس وهذا التسخين يصل تأثيره إلى عمق عدة مليمترات لا غير. وهذه الحرارة يتمّ نقلها الى الأعماق شيئا فشيئا. وفي عمق معين تكون جميع البحار والمحيطات متشابهة الحرارة إلى حد ما، وهذا التّشابه يوفر وسطا ملائما للحياة البيولوجية تحت سطح البحار والمحيطات. فالماء والغلاف الجوّي كلاهما يسمحان بالأشعة الملائمة لنا بالنفاذ. أمّا الإشعاعات الكونية القادمة من النجوم البعيدة وذات التأثير الضّار للحياة فلا يسمح لها البتة بالمرور عبر هذا المرشح الخارق.
وهذه الحقائق مهمّة للغاية، فلو تفحصنا أي قانون فيزيائي لوجدنا أن كل شيء سخّر ليتلاءم مع حياة الإنسان. وهناك تعليق وارد في الموسوعة البريطانية حول هذا الموضوع يعكس وجهة النظر المبينة لحقيقة الإعجاز في هذا الحدث كما يلي:
لو فكرنا في أهمية الضّوء المرئي لمختلف جوانب الحياة على هذا الكوكب وحقيقة تميّز الغلاف الجوي والماء بالنفاذية الانتقائية للإشعاعات ضمن حدود ضيقة جدا للأطوال الموجية المعينة لما تمالكنا أنفسنا من الحيرة والإعجاب أمام هذه الحقيقة المذهلة 44.
وكما ذكر سابقا فإنّ ميزة الماء والغلاف الجويّ اللذين يملكان خاصية انتقائية للإشعاعات الملائمة للحياة تعتبر ميزة إعجازية بالفعل. ويجب أن نشير هنا إلى أنّ هناك بعض من يدعي بأنّ الماء والغلاف الجوّي قد اكتسبا هذه الميزة بالمصادفة وأنهما ينظمان هذه العملية تلقائيا. ولكن الأمر المحتم هو عدم قدرة أيّ شيء في الكون على تنظيم نفسه بنفسه تلقائيا، فلا الماء ولا الغلاف الجوّي يمكنهما إجراء ذلك. فمن المستحيل للمصادفة أن تولد أحداثا عشوائية تنتهي بظهور نظام أو أنظمة غاية في التوازن والانسجام فيما بينها. فهناك تصميم خارق ونظام وتعيير في كل جزء من أجزاء الكون الذي نعيش فيه وفي كل قانون فيزيائي وفي كل توازن يحكم وسطا ما. و لقد عاش الإنسان منذ مئات الآلاف من السّنين دون أن يدري بحقيقة وجود هذه المعجزات الطبيعيّة حتى الأمس القريب. وإن هذه الحقائق تعتبر معجزات لا يمكن للعقل الإنساني استيعابها بسهولة وهي تعتبر دليلا خارقا تقوده إلى التسليم والخضوع لقدرة الله تعالى.
والحقيقة أنّ المحير هو وجود أناس مازالت على أبصارهم غشاوة تحجبهم عن رؤية قدرة الله على الخلق من العدم وعلى البعث بالرّغم من هذه المعجزات الخارقة التي تنطق بجلاء بأنّ خالقها وموجدها هو الله العلي القدير. وقد ذكر الله عز وجل في محكم كتابه المبين حال هؤلاء الغافلين:
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون يس/77-83
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
الرعد/ 5


الموازين الدقيقة لخواص الماء الفيزيائية


لقد ذكر البروفيسور البريطاني نيدهام prof.A.E.Needhamالأخصائي في الكيمياء الحيوية في كتابه ‘’ خاصية التفرد في المواد الحيوية The Uniqueness of Biological Materials’’ بأنه من الضّروري لنشأة الحياة أن تتوفر المواد السائلة، فلو كانت قوانين الكون تسمح بوجود الحالة الصلبة والغازية للمادة دون الحالة السائلة لما نشأت الحياة أبدا، لأنّ الذّرات في الحالة الصّلبة قريبة من بعضها جدا و تكاد لا تتحرك ولا توفر الوسط الملائم لحركة الجزيئات ضمن الفعاليات الحيوية للكائن الحي، أمّا الغازات فتتميز ذراتها بحرية الحركة وذات خاصية متطايرة. وفي وسط كهذا لا يمكن أن تتحقّق أيّ من الفعاليات الحيوية المعقدة للكائن الحي. وبإيجاز ينبغي توفر وسط سائل كي تجري فيه كافة مظاهر الحياة التي يمارسها الكائن الحي، ويعتبر الماء هو السائل المثالي بل الوحيد من بين السوائل، لأنه يمتلك خصائص ملائمة بدرجة مدهشة لاستمرار الحياة بكافة مظاهرها. وقد لفتت هذه الحقيقة انتباه العلماء منذ القدم، والدليل على ذلك تميز الماء ببعض الخواص التي تتعارض مع قوانين الطبيعة مثل بعض خواصه الحرارية. فالمعروف أن المواد تتقلص كلما انخفضت درجة حرارتها، فالسّوائل عندما تنخفض درجة حرارتها يتقلص حجمها، وكلما قل الحجم كلما ازدادت الكثافة أي تصبح الأجزاء الباردة أثقل وزنا، ولهذا السبب تكون السوائل أثقل عندما تتحول إلى الحالة الصلبة ولكن الماء يشذ عن هذه القاعدة، فالماء يتقلص حجما كغيره من السوائل حتى + 4 درجة مئوية ولكن بعد هذه الدرجة يبدأ حجمه بالازدياد، وعند تجمّده يستمر زيادة في الحجم، ولهذا السبب يكون الثلج أخف وزنا من الماء، ولهذا السبب أيضا يطفو الثلج على الماء بدلا من غوصه إلى الأسفل شاذا عن قوانين الفيزياء.
وخاصية الماء التي شرحناها سابقا تعتبر ذات أهمية قصوى بالنسبة إلى المسطحات المائية الموجودة في عالمنا، ولو لم توجد هذه الخاصية أي لو لم يطف الثلج على سطح الماء لتحولت معظم البحار والمحيطات إلى جليد ولما استمرت الحياة فيها. ودعونا نتوغل في تفاصيل هذه الظاهرة، فالمعروف أن هناك مناطقا في كوكبنا الأرض تنخفض فيها درجة الحرارة شتاءا إلى مادون الصفر، وهذه البرودة لابد لها أن تؤثر على البحار والبحيرات، فهذه المسطحات المائية تنخفض درجة حرارتها شيئا فشيئا، والطبقات الخارجية الباردة تنزل إلى الأسفل لتحل محلها الطبقات السفلية الأكثر دفئا والأخيرة بتماسّها مع الهواء تنخفض درجة حرارتها وتنزل إلى الأسفل هي الأخرى، ولكن هذا التوازن الحراري يبدي شذوذا عندما تصل درجة الحرارة حتى 4درجة مئوية، فعند كل درجة انخفاض يتمدّد الماء ويقلّ وزنا، وهكذا تبقى الطبقة التي درجة حرارتها 4درجة مئوية في الأسفل، وفوقها الطبقة التي درجة حرارتها 3درجة مئوية وفوقها الطبقة التي درجة حرارتها 2درجة مئوية وهكذا حتى نصل إلى السطح الخارجي الذي يتجمد لانخفاض درجة حرارته حتى الصفر المئوي، والذي يتجمد السطح الخارجي فقط، أما الطبقات التي تحته والتي تكون درجة حرارتها 4درجة مئوية فتعتبر كافية لعيش الأسماك والكائنات الحية المائية.
ماذا لولم يحدث هذا الأمر؟ أي لو سلك الماء سلوكا عاديا كغيره من السوائل من ناحية ازدياد الكثافة كلما ازداد انخفاض الحرارة وغطس الثلج في الماء ماذا يحدث يا ترى ؟
في هذه الحالة كان التجمّد سيبدأ من الأسفل في كافة البحار والمحيطات والبحيرات، وكان سيستمر نحو الأعلى لعدم وجود طبقة ثلج عازلة لما تحتها، وهكذا ستصبح البحار والمحيطات كتل ثلجية ضخمة، وكان سيبقى قليل من الماء السائل فوق الثلج وحتى لو ارتفعت درجة الحرارة فإن طبقات الثلج السلفية لا تتأثر بهذا الارتفاع. وعالم مثل هذا لا يمكن أن تعيش فيه الكائنات الحية، وبالتالي لا يمكن للكائنات البرية أن تعيش في بيئة قسمها المائي متجمد تماما، وملخص القول أن كوكبنا كان سيصبح عالما ميّتا لو سلك الماء سلوكا عاديا. ولكن لماذا يسلك الماء هذا السّلوك الشاذ بعد انخفاض درجة حرارته حتى 4 درجة مئوية وبعد تقلصه المنتظم ؟ إنّ هذا السّؤال لم يستطع أحد الإجابة عليه .
إنّ خواصّ الماء الحرارية لها فوائد جمّة بالنسبة إلى الإنسان، فالفرق بين الحرارة في الليل عنها في النهار أو الفرق بين الحرارة في الشتاء عنها في الصيف يكون دائما في الحدود التي يتحملها أو يطيقها الجسم البشري وكذلك أجسام باقي الكائنات الحية. ولو كانت نسبة الماء إلى اليابسة في كوكب الأرض أقل مما هي عليه لكان الفرق الحراري بين الليل والنهار كبيرا جدّا ولتحولت أجزاء كبيرة من اليابسة إلى صحاري قاحلة و لاستحال وجود الحياة أو أصبحت صعبة للغاية في حالة وجودها. فلو كانت خواصّ الماء الحرارية مختلفة عمّا هي عليه لتحوّلت الأرض إلى كوكب غير ملائم لنشأة الحياة عليه. ويعلّق لورنس هندرسون Lawrence Henderson أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة هارفارد على خواصّ الماء الحرارية بعد إجرائه أبحاثا عليها قائلا:
‘’أودّ أن أذكر وبإيجاز أنّ خواصّ الماء الحرارية لها فوائد من ثلاث نواح:
الأولى: يقوم الماء بحفظ التوازن الحراري وضبطه لكوكب الأرض .
الثانية: يقوم بتنظيم حرارة جسم الكائنات الحية بأحسن صورة ممكنة .
الثالثة: يسيطر الماء على التحولات المناخية .
ويؤدّي الماء هذه التأثيرات الثلاثة بأعلى درجة من الانسجام ولا يمكن مقارنة أية مادة من ناحية التأثير مع الماء 45.


خاصية الشّد السّطحي للماء وجدت لتلائم الحياة


خاصية الشّدّ السطحي للسوائل تنشأ من جذب جزيئاتها لبعضها البعض، ويختلف كل سائل عن الآخر من ناحية قوة الشد السطحي. ويتميز الماء بكونه يمتلك شدا سطحيا أكبر من أغلب السوائل و هذه الميزة لها فوائد حيوية عديدة ويمكن تمييز هذه الفوائد في النباتات، فالمعروف أنّ النباتات لا تمتلك مضخّات أو عضلات أو ما شابه ذلك، إذن كيف تستطيع ضخّ الماء الموجود في التّربة أمتارا عديدة إلى الأعلى؟ الجواب هو:بواسطة الشّد السّطحي، فجذور النباتات والقنوات الدّقيقة الموجودة فيها خلقت فيها كي تستفيد من الشد السطحي للماء، وكلّما اتجهت هذه القنوات نحو الأعلى ضاق قطرها وبالتالي يستطيع الماء أن يصعد إلى الأعلى، وعملية صعود الماء إلى الأعلى تعتمد أساسا على القوة العالية للشّد السّطحي للماء، ولو كان الشد السطحي للماء كمثيلاته من باقي السوائل لاستحال عيش النباتات الموجودة على اليابسة، وهذا يعني استحالة وجود الإنسان في وسط خال من النباتات.
و هناك تأثير آخر لقوة الشد السطحي للماء وهو تشقق الصّخور، فالماء يستطيع أن يلج في أعماق الشقوق الموجودة في هذه الصخور نتيجة قوة الشد هذه الكبيرة له. وعند انخفاض درجات الحرارة يتجمد الماء وعند تجمّده يزداد حجما ويؤدي بمرور الوقت إلى تشقق الصخور. إنّ هذه العملية مفيدة في انتقال المعادن والأملاح الموجودة في هذه الصخور إلى التربة وكذلك الحفاظ على التّربة وزيادة كميتها.


معجزة الماء الكيمياوية


مثلما يمتلك الماء خواصّا فيزيائية مهمّة ومؤثّرة في الحياة فإنّه يمتلك خواصّا كيمائيّة بنفس الدّرجة من الأهمية والتأثير، وعلى رأس هذه الخواص قدرته على إذابة المواد القابلة لذلك، فمعظم المواد يمكن إذابتها فيه بصورة جيدة. إنّ هذه الخاصّية مهمّة جدّا في الحياة، فالأملاح والمعادن المذابة في الماء يتمّ انتقالها عبر الأنهار إلى البحار، وأثبتت الحسابات أنّ ما مجموعه 5 مليارات طن من الأملاح والمعادن يتمّ نقلها إلى البحار بهذه الطّريقة وأنّ هذه المواد تعتبر ضرورية للحياة في الماء.
ومعروف عن الماء أنه يعتبر عاملا مساعدا جدّا في حدوث معظم التفاعلات الكيمائيّة، أمّا الخاصية الكيمائيّة الأخرى للماء فهي ميله إلى التفاعل كيماويا بأحسن مستوى ممكن، فالماء لا يسلك سلوك الحامض أي أنّه لا يتفاعل بشدّة ولا يكون خاملا مثل غاز الأركون، وكما يقول مايكل دينتون ‘’إنّ مستوى التفاعل الكيماوي للماء يتصف بكونه ملائما جدّا ليلعب دورا مهما جدّا بيولوجيا وجيولوجيا ‘’ 46. وإن ملاءمة خواص الماء الكيمائيّة لدوره المهمّ في الحياة يتم إثباتها بعد كل بحث جديد يتم التوصل من خلاله إلى معلومات حديثة .
ويعلق هارولد موروتيز prof. Harold Morowitz أستاذ الفيزياء البيولوجية في جامعة بيل على هذا الحدث المهم قائلا :
‘’حدثت تطورات في السنوات الأخيرة أفادت في معرفة خاصية جديدة للماء لم تكن معروفة، وهذه الخاصية تتمثل فـي’’ التوصيل البروتوني ‘’ وهي توجد لدى الماء فقط ولها أهمية استثنائية من ناحيتين الأولى نقل الطاقة الحيوية والثانية معرفة أصل الحياة. وكلما ازددنا معرفة بأسرار الطبيعة ازداد إعجابنا بمدى ملائمتها لحياتنا 47.


درجة انسيابية الماء موضوعة بمعيار معين


عندما ننطق بكلمة سائل فأوّل ما يتبادر إلى أذهاننا وجود شيء ينساب أو يسيل، ولكنّ الواقع أن السّوائل تختلف فيما بينها من جهة الانسيابية، فمثلا هناك اختلاف واضح في انسيابية كل منّ القطران والكليسيرين وزيت الزّيتون وحامض الكبريتيك، ولو قورنت هذه السوائل مع الماء لظهرت فوارق واضحة فالماء أكثر انسيابية بـ 10مليارات مرة من القطران و 1000مرة من الكليسيرين و 100مرة من زيت الزيتون و 25 مرة من حامض الكبريتيك .
ونستنتج من المقارنة السّابقة أنّ الماء يمتلك انسيابية عالية، ولو استثنينا الهيدروجين السّائل والأثير اللّذين يوجدان كغاز في الظروف الاعتيادية فإنّ الماء يعتبر ذا قيمة انسيابية أعلى من بين كل السوائل الأخرى .
ولكن ما أهمية الانسيابية العالية للماء بالنسبة إلينا ؟ ولو كان هذا السّائل الحياتي ذا قيمة انسيابية أكبر أو أقل مماّ هو عليه الآن فكيف كان سينعكس تأثيره على حياتنا كبشر؟ ويجيب البروفيسور دينتون عن هذه الأسئلة قائلا :
‘’لو كانت انسيابيته أكبر لفقد ميزة كونه المادة الأساسية للحياة، فمثلا لو كانت انسيابيته بقدر انسيابية الهيدروجين السائل لأبدت أجسام الكائنات الحية رد فعل عنيف تجاه الأخطار الخارجية ...فضلا عن عجز الماء في تشكيل الوسط المناسب للتّراكيب الجزيئة وبالتالي عجز الخلية الحية عن المحافظة على بنائها الحسّاس...
ومن جانب آخر لو كانت انسيابية الماء أقل مما هي عليه لعجزت جميع الجزيئات العملاقة عن الحركة مثل البروتينيات والأنزيمات والعضويات المتحركة مثل الماتيوكوندريا، وبنفس الشكل يصبح انقسام الخلية مستحيلا، كذلك تتوقف جميع النشاطات الحيوية للخلية وبالتالي تتوقف الحياة، وتعجز الخلايا أثناء الطور الجنيني داخل رحم الأم عن الحركة والزّحف، أمّا أجنة الكائنات الحية الراقية فتعجز تماما عن النمو 48.
فالانسيابية العالية للماء ذات أهمية حياتية بالنسبة إلينا، فلو انخفضت هذه الانسيابية قليلا لاستحال انتقال الدم عبر الأوعية الشعرية، فعلى سبيل المثال يعجز الدم عن الحركة خلال الأوعية الشعرية الكبدية ذات الطبيعة المتشابكة جدا. فالانسيابية ليست ذات أهمية على مستوى الخلية فقط وإنما على مستوى جهاز الدوران . و هناك كائنات حية صغيرة الحجم ويقدر حجمها بأكبر من ربع المليمتر وبالرغم من هذا الصغر فإنها تمتلك جهازا مركزيا للدّوران لأنّ الأوكسجين والمواد الغذائية لا يتم انتقالهما من وإلى جسم الكائن الحي بعد هذا الحجم بواسطة الانتشار لاستحالته. فالجسم أصبح يمتلك خلايا عديدة وأصبحت هناك حاجة إلى القنوات لملء هذه الخلايا بالأكسيجين والطاقة المأخوذة من الوسط الخارجي. كذلك الفضلات لا يمكن طرحها إلا عبر قنوات تجميعية، فهذه القنوات تدعى بالأوعية الدموية . والقلب يعتبر المضخة اللاّزمة لتحقيق الانسيابية داخل الأوعية. والسائل الذي ينساب داخل هذه الأوعية هو الدم. ويتكون أساسا من الماء ]بعد ترشيح الخلايا والبروتينيات والهرمونات من الدّم يبقى سائل يدعى بــ البلازما ويتكون من الماء بنسبة 95% .
لهذا السبب تعتبر انسيابية الماء مهمة جدّا لعمل جهاز الدوران بكفاءة. وعلى سبيل المثال لو أصبحت انسيابية الماء بقدر انسيابية القطران لعجز القلب عن ضخه بالطبع. وحتى لو أصبحت هذه الانسيابية بقدر انسيابية زيت الزيتون أي أكبر بـ 100 مليون مرة من انسيابية القطران، فبالرغم من ضخ القلب لهذا السائل المفترض فإنه يعاني في الوصول إلى الأوعية الشعرية المنتشرة في معظم أنحاء الجسم أو يعاني من صعوبة السّيولة داخل هذه الأوعية.
و دعونا نتفحص موضوع الأوعية الشعرية عن كثب. تقوم الأوعية الشعرية بحمل الأوكسجين والهرمون والطاقة والمواد الغذائية إلى كل خلية من خلايا الجسم في كافة أنحائه، ولأجل استفادة الخلية الجسمية الحية مما يحمله الوعاء الشعري يجب أن تكون على مسافة لا تزيد عن 50 مايكرون، {المايكرون = 1000/1 مليمتر} والخلايا الواقعة أبعد من هذه المسافة ستفشل في الحصول على الغذاء وتموت حتما، ولهذا السبب بالذات خلق جسم الإنسان بكيفية تجعل من الأوعية الشعرية كشبكة تشمل كافة أنحاء الجسد، ويوجد في جسم الإنسان خمسة مليار وعاء شعري مجموع أطوالها 950كلم، وفي بعض اللبائن توجد ثلاثة آلاف وعاء شعري في السنتيمتر المربع الواحد من العضلة، ولو وضعنا عشرة آلاف وعاء شعري لجسم الإنسان إلى جانب بعضها البعض لاتخذت شكلا سمكه يكاد يقرب من سمك رأس قلم الرصاص، وقطر هذه الأوعية الشعرية تتراوح بين 3-5مايكرون. وهذا يعني 0,03أو 0,05 المليمتر 49.
والأمر المنطقي الذي يجب استدراكه هنا هو أنه لولا الانسيابية المثلى للماء لما استطاع الدم أن يسيل داخل الأوعية الشعرية الضيقة جدا. ويشرح البروفيسور مايكل دينتون الصعوبة الكبيرة التي يواجهها أي جهاز للدوران في حالة هبوط وقلة انسيابية الماء قليلا عما هي علية قائلا :
‘’إنّ الجهاز الدّموي الشّعري لا يستطيع إنجاز مهامّه إلاّ إذا كانت انسيابيّة السّائل الذي يتمّ ضخّه داخلها عالية، فهذه الانسيابية العالية مهمة جدّا لأنّ حركة السائل داخل الوعاء الشعري تتناسب طرديا مع انسيابية ذلك السّائل ...وهكذا يظهر بوضوح بأنه لو كانت انسيابية الماء أكبر بعدة مرات فقط لظهرت الحاجة إلى مضخة أقوي كي ينساب الدم داخل هذه الأوعية الشعرية ولعجز جهاز الدّوران الشعري عن أداء مهامه حتما، ولو كانت انسيابية الماء أقل قليلا عما هي عليه لكان من الضروري أن يكون قطر أصغر وعاء شعري 10ميكرون بدلا من 3 ميكرون ولأصبحت هذه الأوعية الشعرية تغطي نسيجا مثل النسيج العضلي بكامله لكي تمده بالأكسيجين والكلوكوز الضروريين ، وواضح من هذه الحالة استحالة تصميم أشكال الأجسام أو تعاني هذه الأشكال من تحديد ضيق للغاية ضمن حدود لا يمكن تصورها، لهذه الأسباب كلها ينبغي على الماء أن يتصف بقيمة معينة للانسيابية هي قيمتها المعروفة كي يمكن تسميته بالمادة الأساسية للحياة 50.
وبتعبير آخر فإن الانسيابية الخاصة بالماء كباقي خواصه تحمل القيمة المثلى والمناسبة للحياة، وهناك تباين واضح في الانسيابية الخاصة للسوائل المختلفة وهذا التباين يبلغ أحيانا مليارات الأضعاف، ومن بين هذه المليارات من القيم المختلفة للانسيابية نرى أن الماء فقط هو الذي يحمل القيمة المثلى للانسيابية المناسبة للحياة .






ضع تعليقك :///////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////




الموضوع الأصلي : سلسلة المعجزات // المصدر : Cairo9 // الكاتب: سهر اليالي


سهر اليالي
سهر اليالي
سلسلة المعجزات  Empty


سلسلة المعجزات  Clock11 الخميس 2 يونيو 2011 - 0:51
سلسلة المعجزات

.

الحدود الحرارية اللازمة لتكون الرّوابط الذريةالمهمة للحياة هي نفسها الحدود الحرارية لكوكب الأرض


هناك أواصر متعددة الأنواع تربط الذرات والجزيئات بعضها ببعض، وتوجد ثلاثة أنواع من الأواصر: الأيونية و التسّاهمية والأواصر الضعيفة، و الآصرة التساهمية هي الآصرة التي تمسك الذرات ببعضها في الأحماض الأمينية والتي تشكل بدورها الحجر الأساس في بناء البروتينات. أمّا الأواصر الضعيفة فهي الأواصر المسؤولة عن ربط الأحماض الأمينية ببعضها مشكلة سلسلة مترابطة ثلاثية الأبعاد ، أي لولا وجود الأواصر الضعيفة لما استطاعت الأحماض الأمينية أن ترتبط فيما بينها ولما ظهرت جزيئات البروتينات الثلاثية الأبعاد وذات الفعالية العالية، وفي وسط يفتقر إلى البروتين لا يمكن الحديث عن أي معالم للحياة .
والغريب في الأمر أنّ الحدود الحرارية اللازمة لتشكيل الأواصر التساهمية والضعيفة هي نفسها الحدود الحرارية لكوكب الأرض، علما أنّ الآصرة التّساهمية تختلف شكلا وخواصا عن الأواصر الضعيفة اختلافا كليا، ولا يوجد أي عامل أو سبب طبيعي يجعل كليهما يحتاجان إلى حرارة التكوين نفسها. وبالرغم من ذلك فإنّ كلا الآصرتين لا تتشكلان إلا في الحدود الحرارية المعروفة لكوكب الأرض. ولو كانت الأواصر التساهمية تتشكل وتؤثر في حدود حرارية تختلف عنها في الأواصر الضعيفة لاستحال تكون البروتينات في أجسام الكائنات الحية لأنّ تكوّن البروتين متوقّف على تشكّل هاتين الآصرتين وفي آن واحد، أي أنّ الآصرة التّساهمية التي تتشكل بواسطتها الأحماض الأمينية لو اختلفت في الحدود الحرارية التي تؤثر فيها عنها في الأواصر الضعيفة لتكونت سلسلة مستقيمة من الأحماض الأمينية دون أن تأخذ شكلا ثلاثي الأبعاد والذي يكسب البروتين فعاليته المعروفة، والشيء نفسه يذكر بالنسبة للأواصر الضعيفة، فلو انعدم التجانس الحراري بينهما وبين الآصرة التساهمية لما تشكلت الأحماض الأمينية أصلا ولما ظهر شيء يدعى بروتين .
إنّ هذه الحقيقة العلمية تثبت لنا وجود علاقة انسجام واضحة بين الذرة التي تعتبر المادة الخام للحياة وبين الدنيا التي تعتبر الوسط الذي تنشأ عليه الحياة. ويتناول البروفيسور مايكل دينتون هذه الحقيقة العلمية في كتابه ‘’مصير الطبيعة ‘’ قائلا :
‘’من ضمن الحدود والقيم الحرارية الشاسعة جدا للكون هناك جزء ضئيل جدا من هذه القيم يوفر لنا ثلاثة عوامل حياتية مهمة، الأول سائل يدعى الماء، الثاني مركبات عضوية كثيرة ومتنوعة جدا وذات استقرارية خارقة و الثّالث وجود أواصر ضعيفة تربط الجزيئات المعقدة وتجعل أشكالها الثلاثية الأبعاد ذات استقرارية عالية 51.
وكما ذكر دينتون فإنّ جميع الأواصر الكيمائيّة والفيزيائيّة الضّرورية للحياة لا يمكن أن تؤثر أو تفعل فعلها إلا في حدود حرارية معينة وضيقة، وهذه الحدود الحرارية الضيقة لا تتوفر إلا في كوكب الأرض من بين أجرام الكون كلها.


عامل الذوبان للأوكسجين وقيمته
المثلى واللازمة للحياة


إنّ قابلية أجسامنا على الاستفادة من عنصر الأكسيجين تنبع من خاصية ذوبانه في الماء، فعندما نتنفس يدخل الأكسيجين إلى الرئتين ويذوب فورا في الدم، ويقوم بروتين خاص في الدم يدعى ‘’الهيموجلوبين ‘’ بالتقاط جزيئات الأكسيجين المذابة ويحملها إلى الخلايا، وتقوم الخلايا بواسطة أنزيمات مختلفة باستخدام هذا الأكسيجين بحرق مواد كربونية تدعى ATP لإنتاج الطاقة.
إن الأحياء كافة تقوم بالحصول على الطاقة بهذه الوسيلة ولكن العملية برمتها تتوقف على قابلية ذوبان الأوكسيجين، فلو لم يكن الأكسيجين يذوب بالدرجة الكافية لكانت نسبته في الدم قليلة وبالتالي تضعف كمية الطاقة التي تنتجها الخلية، أمّا لو كان يذوب بدرجة عالية فإن نسبته ترتفع في الدم مؤدية إلى ظاهرة تدعى بـ’’ التسمم الأوكسيدي ‘’.
الغرابة اللاّفتة للانتباه في هذه الحقيقة العلمية تكمن في وجود مليون قيمة مختلفة لنسبة الذوبان الخاصة بمختلف أنواع الغازات، أي أن الفرق بين نسبة الذوبان لأكثر الغازات ذوبانا في الماء وبين أقلها ذوبانا في الماء يعادل مليون قيمة عددية، ويكاد ينعدم أي تطابق في هذه القيمة للغازات المختلفة. فعلى سبيل المثال يذوب ثاني أكسيد الكربون في الماء أكثر من عشرين ضعف ذوبان الأكسيجين فيه، وعامل الذوبان للأكسيجين هو الأنسب من بين العديد من الغازات المختلفة لحياة الإنسان.
ماذا سيحصل يا ترى لو كان عامل الذوبان للأكسيجين أقل مما هو عليه ؟
لنر ما كان سيحصل لو كان الأكسيجين يذوب في الماء وبالتالي في الدم بدرجة أقلّ ممّا هو عليه، فإن مقدارا قليلا جدّا من هذا الغاز سيختلط بالدّم أي تقلّ كميّته التي تصل إلى الخلايا وهذا يؤدي إلى صعوبة عيش كائن حيّ له فعاليات حيوية عديدة ومتشابكة كالإنسان، ومهما حاول أن يزيد من وتيرة التنفس فإن كمية الأكسيجين التي تصل إلى الخلايا تكون قليلة، وشيئا فشيئا يتعرض الإنسان إلى الاختناق.
ولو كان الأكسيجين أكثر ذوبانا في الماء عما هو عليه فتظهر أعراض التسمّم الأوكسيدي كما سبق القول، و في الواقع فإنّ غاز الأكسيجين خطير جدّا لأنه لو استنشق بكميات تفوق الحدود الصحية فإنه يؤثر تأثيرات خطيرة قد تكون مميتة، فلو زادت نسبة الأكسيجين في الدم فإنّه يتفاعل مع الماء الموجود فيه مكونا مركبات كيماوية غاية في الخطورة. ويوجد نظام خاص للسيطرة على نسبة الأكسيجين في الجسم يتألف من عدة أنزيمات. ولكن هذا النظام الخاص لا يعمل إلا في حدود معينة ولو تخطّت نسبة الأكسيجين هذه الحدود لفشل هذا النظام في السيطرة على نسبة الغاز في الجسم ويبقى الجسم معرضا أكثر للخطر كلما استمرت عملية التنفس. ويقول الكيميائي اروين فريدويج Fridovich Irwin بهذا الصدد:
‘’هنالك كمين غريب جدا في طريق جميع الكائنات الحية التي تقوم بعملية التنفس. فالأكسيجين الذي تحصل عليه عن طريق التنفس والذي يعتبر ضروريا للحياة له ميزة سلبية تتمثل في قدرته على إحداث تسمّم بدرجة خطيرة و لا تكون هذه الكائنات بمنأى عن هذا التسّمم إلاّ بواسطة آلية دقيقة جدا للسيطرة على نسبته في الدم’’ 52.
إنّ هذه الآلية الدقيقة جدا تقوم بوقاية جسم الكائن الحي من خطرين أحدهما التسمم الأكسيدي أو النّسبة المفرطة للأكسيجين في الدم والثاني الاختناق نتيجة قلة نسبته المعتادة وهذه الآلية تعتمد على عامل الذّوبان لهذا الغاز في الماء وعلى مجموعة من الأنزيمات الفعالة في الجسم. وبإيجاز فإنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الهواء الذي نتنفسه وخلق الأجهزة التي تمكننا من تنفس الهواء على أفضل صورة وأتم انسجام.





ضع تعليقك :///////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////




الموضوع الأصلي : سلسلة المعجزات // المصدر : Cairo9 // الكاتب: سهر اليالي


سهر اليالي
سهر اليالي
سلسلة المعجزات  Empty


سلسلة المعجزات  Clock11 الخميس 2 يونيو 2011 - 0:53
سلسلة المعجزات

.

البـــــاب الثّــــالث

أمثلة على معجزة الخلق في الكائنات الحية

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الحشر/24


لا يمكن للمصادفة أن تخلق
أبسط كائن حي


لقد بينا فيما سبق استحالة ظهور الموازين الدقيقة في الكون أو في المجموعة الشمسية أو في كوكبنا عن طريق المصادفة، ورأينا كيف أن كلّ ميزان من هذه الموازين يعمل ضمن حدود معينة و مضبوطة من بين الحدود التي لا يمكن عدها أو حصرها وعمله يستند إلى توافق وانسجام خارقين. وسنرى كيفية استحالة ظهور كائن حي مهما كان بسيطا بالمصادفة، فالحسابات التي أجراها روبرت شاييرو Robert Shapiro أستاذ الكيمياء في جامعة نيويورك والأخصائي في الحوامض النووية { DNA } تصب في هذا الموضوع، فبالرغم من كونه داروينيّ المعتقد إلاّ أنه توصل إلى حساب احتمال ظهور البروتينات الموجودة في جسم أبسط أنواع البكتيريا وعددها يربو على الألفينعن طريق المصادفة، والاحتمال الذي توصل إليه يعادل 1 إلى 10قوة40000 {علما أنّ عدد البروتينات في جسم الإنسان يعادل 200000بروتين }، إنّ هذه الاحتمالية تحتوي على رقم كبير جدا لا يمكن تعريفه رياضيا أي الرقم واحد وأمامه 40000 صفر.
فالاحتمالية تحتوي على رقم خيالي عند حالة البكتيريا البسيطة التركيب والتي تحتوي على ألفي بروتين أي أنها تساوي احتمالا واحدا ضمن احتمالات هائلة العدد وتساوي العدد 10قوة ،40000 أماّ في حالة الإنسان الذي يحتوي جسده على 200000بروتين فإنّ استخدام كلمة ‘’المستحيل’’ تكون غير كافية أيضا. وعلّق شاندرا ويكراما سينغ Chandra Wickramasinghe أستاذ الرياضيات التطبيقية والفلك في جامعة كارديف على النتائج التي توصل إليها شابيرو قائلا :
‘’إنّ هذا الرقم 10قوة 40000 يعتبر كافيا لنسف داروين ونظرية التطور من جذورها، فلم يتشكل لا في هذا الكوكب ولا في أي كوكب آخر أي خليط يمكن أن تتولد منه الحياة عن طريق المصادفة . اذن فالحياة نتاج عقل واع.53


استحالة ظهور اللبنات الأساسية للحياة مصادفة


البروتينات هي اللبنات الأساسية للحياة. ولا يمكن ظهور أبسط أنواعها مصادفة لكونها معقدة التركيب تعقيدا كبيرا. فعلى سبيل المثال يمكن لجزيئة البروتين التي تحتوي على 288حامضا أمينيا مشتقة من اثني عشر حامضا أمينيا مختلفا أن ترتب أحماضها الأمينية داخل الجزيئة بـ10قوة300شكل مختلف.
إنّ هذا الرقم خيالي ويكتب على شكل 1 وعلى يمينه 300صفرا، إلا أنه يوجد شكل واحد فقط هو المميز لجزيئة البروتين المذكورة والباقي من الأشكال الترتيبية لا يفيد في شيء وحتى بعضها يعتبر ضارا للكائنات الحية، لذلك فاحتمالية ظهور شكل واحد لجزيئة البروتين المذكورة بالمصادفة تعادل 1إلى 10قوة300 وفي الواقع فإنّ تحقق هذا الاحتمال بطريق المصادفة مستحيل بالطبع لأن أي احتمال أقل من 1إلى 10قوة50 يعادل صفرا وفق مبادئ الرياضيات.
ثم ان هذا البروتين يحتوي على أحماض أمينية متواضعة العدد أي هو بسيط التركيب بالمقارنة مع باقي البروتينات العملاقة الموجودة في جسم الكائن الحي، ولو طبقنا حسابات الاحتمالية على هذه البروتينات العملاقة لأصبحت كلمة المستحيل غير كافية للتعبير عن واقع الأمر .
ولو تدرجنا قليلا في السّلم التركيبي للحياة لوجدنا أنّ البروتين لا يمكن أن يكون مؤثرا لوحده، ويوجد مالا يقل عن 600بروتين في أصغر أنواع البكتريا المعروفة بـ’’ مايكوبلازما هومينيس هـ39 ‘’ ومن الطبيعي أن نحسب احتمالية ظهور 600بروتين بالمصادفة، وفي النهاية سنتوصل إلى أرقام خيالية أبعد بكثير من كلمة ‘’المستحيل’’، ومهما افترضت فترات زمنية لتشكل بروتين بالمصادفة فإنها غير كافية لتشكيل الأحماض الأمينية للبروتينات. ويقول الجيولوجي الأميركي ويليام ستوكس William Stokes في كتابه ‘’مبادئ تاريخ الأرض Essentials of Earth History’’ متقبلا هذه الحقيقة العلمية:
‘’ لو كانت أسطح المليارات من الكواكب مغطاة بطبقة من محلول مائي مركز للأحماض الأمينية ولمدة مليارات السنين لما تكون البروتين أبدا ‘’ 54.
ويقول أيضا بصدد احتمالية تكون البروتين المسمّى بـ سايتوكروم-c بالمصادفة و الذي يجب توفره في جسم كل كائن حي: ‘’إنّ احتمالية تكون سلسلة جزيئات سايتوكروم -c مصادفة قليلة إلى حدّ الصفر أو يمكن القول أنّ هناك قوى أخرى خفية لا يمكن أن نعرفها تعريفا جيّدا هي المسؤولة عن وجود هذه الجزيئة. وهذا الاحتمال الأخير لا يمكن قبوله لمنافاته للأسلوب العلمي في التفكير لذا فلا بد أن نتمعن في الاحتمال الأول’’ 55.
وكما يتّضح مما سبق فإنّ رجال العلم من دعاة ‘’التّطور’’ لا يتقبلون الاستنتاج المنطقي المؤدي إلى حقيقة الخلق بل يتقبلون بسبب تعصبهم للفلسفة المادية الضيقة وبفكرهم المسبق أمرا يعد احتمال وقوعه صفرا أي مستحيلا ويحسبون تصرفهم هذا تصرفا علميا، وهو أبعد ما يكون عن العلم. وعند وجود بديلين في موضوع ما وكان احتمال حدوث الإحتمال الأول يساوي الصفر، فإن قواعد العلم والمنطق تحتم علينا أن نأخذ البديل الثاني، لأنه يكون صحيحا مائة في المائة ودون أي شك. أن هذا الاستنتاج المنطقي لو طبق على مثال ‘’سايتوكروم - c’’ أعلاه فإنّ احتمال ظهوره مصادفة يعادل صفرا ويصحّ الاحتمال الثاني وهو ظهوره وفق مخطط مدروس مسبقا، أي ظهر نتيجة الخلق وهذه النتيجة هي الأكيدة والتي تتوافق مع قواعد العلم والعقل.
ويبقى شيء سلبي في هذا الأمر متمثل في تعنت وجهة النظر المادية مع حقيقة حدوث عملية خلق أو وجود خالق وأن العالم المادي يكافح في سبيل إجبار رجال العلم على تبني وجهة النظر المادية والتخلي عن فكرة وجود خالق كفاحا أعمى، وهذا دليل على ضيق أفق رجال العلم الماديين وجحودهم حتى لأبسط قواعد التحقيق العلمي والمنطقي عندما يجدون معارضة فكرية لأفكارهم غير المنطقية. وهذا التعنّت الأعمى يثير تساؤلات عديدة عن مدى استقامة وصحة تفكير هؤلاء العلماء من أصحاب النظرية المادية .


لا يمكن تفسير كون كل البروتينات الموجودة في
جسم الكائن الحي عسراء عن طريق المصادفة


إنّ البروتين لا يمكن أن يكون فاعلا ومؤثرا ومفيدا إلاّ باتحّاد الأحماض الأمينية وفق عدد معين وترتيب محدد مع وجود شكل جزيئي ثلاثي الأبعاد ولكن حتى هذه الشروط غير كافية تماما، ولأجل اكتمال فاعليته يجب أن يتكون من أنواع معينة من الأحماض الأمينية ذات السّلوك التّفاعلي المعين ودعونا نسميها ‘’عسراء’’ للتمييز ليس إلاّ و لو كان أحد هذه الأحماض الأمينية غير أعسر أي كان حامضا أمينيا أيمنا لما تكون البروتين الصحيح والمطلوب للكائن الحي.
ومن النّاحية الكيميائية هناك نوعان من الحامض الأميني الواحد أعسر وأيمن، والاختلاف بين هذين النظيرين يرجع إلى اختلاف الشكل الثلاثي الأبعاد الذي تتخذه الجزيئة، مثلما يوجد اختلاف بين يد الإنسان اليمنى واليسرى. ويمكن لهذه الأحماض الأمينية المتضادة أن تتفاعل كيميائيا، ولكنّ الأبحاث الكيمائية أظهرت نتائج مدهشة للغاية وهي كون جميع البروتينات الموجودة في أجسام الكائنات بسيطها ومعقدها عسراء النّوع أي ذات اتجاه جزيئي واحد من ناحية نوع الحامض الأميني وشكله الذي يكونها، ولو أدخل حامض أميني مضاد إلى جزيئة البروتين الحيوي لجعلها غير مفيدة بالمرة. وفي بعض الأبحاث تم حقن أجسام البكتيريا ببعض الأحماض الأمينية اليمنى ولكن سرعان ما دمرت من قبل أجسام هذه البكتيريا وفي بعض الأحيان قامت بعض البكتيريا بالاستفادة من الأحماض الأمينية المدمرة في صنع أحماض أمينيّة عسراء .
لنفترض أنّ هذه الأحماض الأمينية قد ظهرت مصادفة كما يدعي الماديون، في هذه الحالة سيوجد عدد متماثل من الأحماض الأمينية العسراء وغير العسراء في الطبيعة، أي يكون هناك خليط من هذه الأحماض الأمينية في جسم الكائن الحي، لأنه من الممكن لهذه الأحماض الأمينية غير العسراء أن تتفاعل فيما بينها كيميائيا، ولكنّ الواقع يثبت لنا أن جميع الأحماض الأمينية الموجودة في أجساد جميع الكائنات الحية هي من النوع الأعسر .
وأمام هذا الواقع المحير يعجز الماديون عن تفسير كيفية اتحاد الأحماض الأمينية العسراء فيما بينها لتشكيل البروتينات الموجودة في جسم الكائن الحي دون أن تسمح ولو لحامض أميني واحد غير أعسر أن يدخل في تركيبتها الكيميائية، ويعجز الماديون أمام هذه الصفة الانتقائية في التفاعل الكيمائي أو الاتحاد الكيمائي. والأبعد من ذلك أن تكوّن البروتينات بهذه الطريقة يؤدي بالنظرية المادية إلى طريق مسدود لا مخرج منه، و هذا المأزق الفكري للنظرية المادية تعبر عنه الموسوعة البريطانية ذات الاتجاه المادي، كما يأتي:
‘’إنّ جميع الكائنات الحية الموجودة في عالمنا تحتوي أجسامها على بروتينات جميعها من أحماض أمينية عسراء متحدة مع بعضها اتحادا متسلسلا وهذه الأحماض الأمينية ذات شكل جزيئي واحد، ويمكن تشبيه هذه العملية بإلقاء قطعة نقود معدنية لملايين المرات إلى الأعلى ولكنها تسقط دائما على وجه واحد دون الوجه الآخر. ونحن لا نعرف كيف تتكون الأحماض الأمينية العسراء وغير العسراء فهذا الأمر متعلق بمنبع الحياة على الأرض 56.
أيهما يكون منطقيا أكثر أ عندما نلقي النقود المعدنية إلى الأعلى ملايين المرات وتسقط على الوجه نفسه بتأثير خارجي مسيطر ومتحكم بقوة في الحدث الكائن أم تفسير الحدث بالمصادفة ؟ الجواب واضح، فمثل هذا الحدث لا يمكن تحققه مصادفة، إضافة إلى وجود احتمال أصعب من سقوط قطعة نقود على الوجه نفسه ولملايين المرات، إلا أن الماديين لتعنتهم المعهود يرفضون فكرة التأثير الخارجي و يتشبثون بفكرة المصادفة العمياء ويتمادون في ذلك مدعين أن الأحماض الأمينية متفاهمة فيما بينها بعدم السماح لأي حامض أميني غير أعسر بالدخول فيما بينها. ولكن الإنسان العاقل السليم في تفكيره لابد له أن يسلم أمام هذا الدليل العلمي القاطع بوجود خالق عظيم القدرات واسع العلم محيط بكل شيء وهو الله البارئ المصور جلت قدرته.


الظهور الفجائي والإعجازي للأحياء على وجه البسيطة


بغضّ النظر عن استحالة ظهور الأحياء على الأرض مصادفة، فإن الحفريات التي أجريت للحصول على المتحجرات أظهرت أن هذه الأحياء قد ظهرت فجأة وبشكل معجز.ولو تفحصنا طبقات الأرض وبقايا المتحجرات لرأينا أن الكائنات الحية ظهرت فجأة على وجه الأرض ، وتعتبر الطبقة الكامبيرية والتي يعود تاريخها إلى 520- 530 مليون سنة مضت من أعمق الطبقات الأرضية الحاوية على متحجرات الكائنات الحية. فالمتحجرات التي تم العثور عليها في هذه الطبقة تعود إلى كائنات حية متعددة الخلايا وغير فقرية كالحلزون وثلاثيات الفصوص والقواقع والإسفنج والديدان وحصان البحر ونجم البحر والقشريات البحرية إضافة إلى الزنابق. والغريب أن جميع هذه الكائنات الحية المختلفة بعضها عن البعض ظهرت في نفس الأثناء، وتعرف هذه الظاهرة وفق مصطلح الجيولوجي بـ’’الظهور الكامبيري، أو الإنفجار الكامبيري ‘’.
وتتسم الكائنات الحية في هذه الطبقة بوجود أعضاء متقدمة بيولوجيا كالعين والغلاصم وجهاز للدوران ولاتختلف كثيرا عن مثيلاتها الحالية، وعلى سبيل المثال تتميز العين العدسية لثلاثيات الفصوص’’ TRILOBIT ‘’ بعدسة مزدوجة وفق تصميم بارع جدا، ويقول ديفيد راوب David Raup استاذ الجيولوجيا في جامعات هارفارد وروسشتر وشيكاغو: ‘’إنّ عين الـ TRILOBIT تحتوي على تصميم مدهش لا يمكن صنع شبيهه إلاّ من قبل مهندس بصريات تلقى تعليما راقيا’’ 57.
إنّ هذه الكائنات الحية المتعددة الخلايا ظهرت فجأة دون أي نقص ولا علاقة لها بالكائنات الحية الأحادية الخلية والتي سبقتها في الوجود على ظهر الأرض ولا توجد لها أي حلقات وسيطة أو انتقالية من الناحية التاريخية. ويدلي ريتشارد مونيتارسكي Richard Monestarsky محرر مجلة ‘’علوم الأرض Earth Science’’المشهورة بمعلومات علمية عن الانفجار الكامبيري وهي معلومات محيرة للماديين مفادها:
‘’إنّ الكائنات الحية المتعددة الخلايا التي نراها اليوم قد ظهرت فجأة، وهذا الظهور حدث في بداية العصر الكامبيري ونتج عن هذا الظهور المفاجئ أن امتلأت البحار واليابسة بأنواع مختلفة من الأحياء المتعددة الخلايا.إنّ الأحياء غير الفقرية الموجودة في عالمنا اليوم كانت موجودة أصلا في العصر الكامبيري وبنفس درجة التنوع’’ 58.
وأمام هذا الكشف العلمي يعجز الماديون عن تفسير كيفية الظهور المفاجئ لأنواع مختلفة من الأحياء غير الفقرية على وجه الأرض دون أن يكون لها جد واحد تنشأ منه. ويقول ريتشارد داوكينس Richard Dawkins أحد غلاة المادية المعروفين عالميا أمام هذه الحقيقة العلمية التي نسفت معظم الأفكار التي كان يدافع عنها:
‘’إنّ الطبقات الكمبيرية من أقدم الطبقات التي كشفنا فيها عن وجود أحياء غير فقرية، وهذه الأحياء ماتزال محافظة على شكلها التطوري مثل الشكل الذي ظهرت فيه لأول مرة وكأنها لم تمر بطور تطوري أبدا وظهرت بهذا الشكل في ذلك المكان.ومن الطبيعي أن تعتبر حقيقة الظهور الفجائي عامل اغتباط للمناصرين لفكرة الخلق في وجود الأحياء’’ 59.
إن الانفجار الكامبيري الذي تقبله داوكينس يعتبر دليلا قاطعا على الخلق لأن الخلق يعتبر التفسير الوحيد للظهور الفجائي للأحياء دون أن يكون لها جد مشترك. أمّا دوغلاس فوتوياما Douglas Futuymaالأخصائي في علم الأحياء والمادي الفكر فيقول ما يلي: ‘’إن الأحياء قد ظهرت على وجه الأرض إما بصورتها الكاملة ودون نقص أو تكاثرت متطورة عن أجدادها السابقين ‘’60.
أما اليوم فالأبحاث العلمية أثبتت أن الأحياء قد ظهرت فجأة على وجه الأرض وأن نظرية التطور قد أصبحت في مهب الريح، وبدأ دعاة نظرية التطور يقبلون ولو على استحياء هذه الحقيقة.


التصميم المعجز للحامض النوّوي :DNA


إنّ خصائص الكائن الحي الجسمية مسجلة جميعها على شكل شفرات وراثية تحملها جزيئات خاصة تدعى بالحامض النووي DNA. وجزيئة الحامض النووي DNA توجد في نواة كل خلية. وهذه الجزيئة تتشكل من اتحاد الآلاف من أربعة أنواع من الجزيئات المسمّاة بـ’’النيوكلوتايد’’ و التي تكون سلسلة متصلة من هذه الجزيئات و التي تكسب الكائن الحي صفاته الجسمية، و يوجد الإنسان من ضمن هذه الكائنات الحية، و كما يختلف عن باقي الأحياء لاختلاف الـ DNA الخاصة به فهو يختلف كذلك عن أي إنسان آخر لاختلاف الـ DNA أيضا. ويمكننا تشبيه النيوكلوتايدات المكونة لهذا الحامض بالحروف الأبجدية. فهناك أربعة أنواع للنيوكلوتايد تعتبر الحروف الأبجدية لتشكيل جزيئات مختلفة من الـ DNA و تعتبر موسوعة في حد ذاتها إذا صحت المقارنة.
إن ترتيب الـ DNA يميز الإنسان حتى في أدق تفاصيل جسمه العضوية، مثل الطول و العين والشعر و لون البشرة إضافة إلى وجود 206 عظم و 600 عضلة و عشرة آلاف شبكة عصبية للسمع و مليوني شبكة عصبية بصرية و مائة مليار خلية عصبية، أي أن المخطط الخاص لـ 100 تريليون خلية موجود في الـ DNA الخاص بالخلية الواحدة. و لو حاولنا نسخ الشفرات الوراثية الموجودة على جزيئة الـDNA على الورق لتكونت لدينا مكتبة ضخمة قوامها 900 مجلد و كل مجلد يتألف من 500 صفحة .و هذا الكم الهائل من المعلومات موجود على شكل كتابة كودية شفرية في جزيئة الـ DNA الموجودة في نواة الخلية و التي لا يمكن رؤيتها إلا بالمجهر.
و توجد كمية ضخمة من المعلومات المشفرة في جزيئة الـDNA الخاصة بالإنسان تكفي لملء مليون صفحة لموسوعة ضخمة.... أجل ! مليون صفحة من الموسوعة! ...أي أنّ هناك معلومات في نواة كل خلية من خلايا الجسم الإنساني تقوم بالسيطرة على عمل تلك الخلية، و مقدار هذه المعلومات يعادل موسوعة ذات مليون صفحة. و لو حاولنا تقريب هذه الحقيقة إلى أذهاننا فنستطيع أن نتناول الموسوعة البريطانية على سبيل المثال التي تعتبر من أكبر الموسوعات في العالم، فهي تتألف من 23 مجلدا ، مجموع صفحاتها خمسة وعشرون ألف صفحة. في هذه الحالة يبدو أمامنا شيء ضخم جدا. فالمخزن المعلوماتي الموجود في جزيئة تقبع في نواة الخلية يحوي معلومات أكبر بأربعين ضعفا من معلومات أكبر موسوعة عالمية. وهذا يعادل 920 مجلدا لموسوعة ضخمة لا مثيل لها في العالم كله . وأثبتت الأبحاث أنّ هذه الموسوعة تحوي خمسة مليارات من المعلومات االمختلفة .
ومن الجدير بالذكر أن هذا الكم الهائل من المعلومات موجود في جسم الإنسان منذ وجد على وجه البسيطة و في أجسام المليارات من البشر ، ومن المستحيل أن يحدث هذا الأمر الخارق بالمصادفة.


استحالة تكون الـDNA مصادفة


أمام هذه الاستحالة يقول فرانك ساليسبري Frank Salisbury الأخصائي في علم الأحياء:
‘’تتألف جزيئة بروتين من الحجم المتوسط من 300 حامض أميني، والذي يتحكم في هذا العدد هو عدد من النيوكلوتايدات المكونة لجزيئة الـ DNA و التي يبلغ عددها الألف. و إذا تذكرنا من السّطور السابقة أن جزيئة الـDNA تتكون من أربعة أنواع مختلفة للنيوكليوتايد فإن الأشكال المتوقعة لألف منها يبلغ عددها 4 مرفوعة إلى الأسّ ،1000 وهذا الرقم يتم التوصل إليه عبر عملية حسابية لوغاريتمية بسيطة، وكما يبدو فإن هذا الرقم خيالي بالطبع وبعيد عن حدود تخيل العقل الإنساني61 .
إن احتمال 1 إلى 4 مرفوعة إلى الأس 1000 يمكن تقريبه عبر عملية لوغاريتمية إلى 10 مرفوعة إلى الأسّ 620 . وهذا الرّقم الأخير يعني 10 و أمامها 620 صفرا. فالرقم 10 و أمامه أحد عشر صفرا يساوي تريليونا، أما الرقم ذو الـ 620 صفرا فيستحيل تخيله.
و هناك عالم فرنسي يدعى بول أوجر يشرح استحالة اتحاد النيوكليوتايدات فيما بينها لتكون حامض الـDNA و الـRNA مصادفة فيقول:’’
لو ادعينا جدلا أنّ المصادفة تعتبر سببا لحدوث تفاعلات كيمياوية تنتج عنها جزيئات معقدة مثل النيوكليوتايدات، ولكن ينبغي الأخذ بعين الاعتبار مرحلتين مهمتين، الأولى إنتاج النيوكليوتايدات والتي يمكن ادعاء حدوثها مصادفة، والثانية التصاق أو ترابط هذه النيوكليوتايدات بصورة مرتبة ترتيبا متسلسلا، وهذه المرحلة من المستحيل ادعاء حدوثها مصادفة’’ 62 .
وعلق على هذه الاستحالة أيضا كل من ستانلي ميللر و الدكتور ليسلي أريجل زميل فرانسيس كريك من جامعة سان دييغو من كاليفورنيا قائلين:
‘’إن تكون جزيئات كيمياوية معقدة للغاية كالبروتين والحامض النووي RNA ،DNA في مكان و زمان واحد نتيجة المصادفةاحتمال بعيد جدا، و لا يمكن الحصول على أحدهما بدون الآخر، لذلك فعلى الإنسان أن يقتنع باستحالة نشوء الحياة عبر السبل الكيمياوية’’ 63.
والحقيقة نفسها يثبتها بعض مشاهير العلماء المادّيين كما يأتي:
‘’ لا يمكن للحامض النووي الـDNA أن يؤدي وظيفته بدون وجود بروتينات مساعدة أو أنزيمات علما أن ضمن هذه الوظائف إنتاج حامض نووي الـ DNA جديد. و ملخص القول أنه بدون الـDNA لا وجود للبروتين ولا وجود لـDNA بدون بروتين’’ 64.
كيف ظهرت هذه الشفرة الوراثية و معها الأنظمة المفسرة والمنفذة لها كالرايبوسومات وجزيئات الـRNA إلى الوجود ؟ إن الجواب على هذا السؤال لا يتم فقط عبر الرّد و إيجاد الجواب المناسب بل نجيب عليه و كلنا دهشة و استغراب65.


سرّ التخصص لدى الخلايا


ينبغي على الخلايا عندما تتكاثر عن طريق الانقسام أن تعد نسخة ثانية من أنفسها تنقسم بدورها عند حلول موعد التّكاثر، و بمرور الوقت تنشأ من الخلية الأصليّة الملايين من الخلايا نتيجة الانقسام. و الحاصل ليس بهذه البساطة الظاهرية لأن الذي يحدث في إحدى مراحل هذا الانقسام أن تقوم بعض الخلايا المستنسخة بإظهار اختلاف واضح عن باقي شقيقاتها ودون أي سبب معروف، ثم تبدأ في اكتساب بنية مختلفة تماما. و بهذه الطريقة تنشأ مجموعات من الخلايا مختلفة عن بعضها البعض مشكلة أنسجة الجسم و أعضائه وأجهزته. وبعضها يكون شديد الحساسية تجاه الضوء كخلايا العين، وبعضها يشكل خلايا الكبد و الآخر يكون حساسا تجاه الحرارة أو البرودة كالخلايا اللمسية، وبعضها يكون حساسا تجاه الصوت كالخلايا السّمعية.
ولكن كيف يتم توزيع الأدوار والمهام على الخلايا؟ كيف يتسنى لخلية أن تتخصّص و تصبح خلية العين مثلا دون أن يكون لها أيّ دخل في هذا الأمر؟ من الذي اتخذ هذا القرار؟
إن جميع الخلايا السابقة تحتوي على الحامض النووي الـ DNA نفسه، ولكن الفرق بينها هو في البروتين الذي تنتجه. فالاختلاف ينتج بين خليتين نتيجة صنعها بروتينين مختلفين، كيف تبدأ هذه الخلايا الشقيقة و التي تحمل الـDNA نفسه في صنع بروتينات مختلفة مؤدية بالتالي إلى اختلاف بعضها عن البعض الآخر؟ من أمر بصنع بروتينات مختلفة بالرغم من كون هذه الخلايا بعضها نسخة من البعض الآخر؟
و يتحدث أحد العلماء الألمان المدافعين عن نظرية التطور وهو هيومان فون ديتفيرث Hoimer von Ditfurthعن تطوّر الجنين في بطن أمه على النحو التالي:’’
إن الموضوع الرئيسي الذي كثيرا ما يشغل بال العلماء هو كيفية نشوء خلايا متخصصة من بويضة ملقّحة، و كيفية نشوء اتصال وانسجام بين هذه الخلايا المنقسمة و بصورة تلقائية’’ 66.
ويعجز باقي دعاة نظرية التطور عن تفسير نشوء خلايا متعددة و متخصصة من خلية واحدة بل من نشوء 100 تريليون خلية تشكل أنسجة الجسم و أعضاءه و أجهزته. فهذه المعجزة تعتبر نقطة سوداء في نظرية التطور حسب ادعاءاتهم، و نسوا أنه:
هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ سورة الحشر-الآية .24


المنطقية في سلوك البكتيريا


أثبتت الأبحاث خلال السنوات الاخيرة أن البكتيريا تسلك سلوكا عقليا ومنطقيا مذهلا، لأنها تبدي رد فعل مناسب وفقا للوسط الذي توجد فيه. وفي هذا الصدد يقول عالم الأحياء المجهري مايكل دينتون Michael Denton ما يأتي:
‘’تتبع الأميبا في حياتها نمطا مشابها لما يتبعه الكائن متعدد الخلايا بالرغم من كونها أصغر من ذرة غبار، ولو كبّرنا حجم الأميبا حتى تصبح في حجم قطة مثلا عندئذ سيكون لها نفس درجة ذكاء هذا الحيوان. ولكن كيف تستطيع هذه الكائنات الحية المجهرية أن تسلك مثل هذا السّلوك المنطقي.إن الأميبا عندما تنوي افتراس غذائها فأول ما تفعله هو المطاردة، و تتبعه حيثما ذهب و تستمر على هذا الحال وقتا طويلا. و لا يمكن تفسير هذا السلوك على المستوى الجزيئي 67.
ينبغي أن نركز الحديث حول آخر جملة قلناها أي ‘’ عدم إمكانية تفسير السلوك على المستوى الجزيئي’’ بمعنى عدم تفسير هذا السلوك استنادا إلى الأحكام والقوانين الفيزيائية و الكيميائية. فهذه الأحياء يبدو أنها تسلك سلوكا يستند إلى تخطيط مسبق، والغريب أنها لا تملك مخا و لا جهازا عصبيا، فهي عبارة عن خلية تحتوي على ماء ودهن و بروتين.
وهناك أمثلة عديدة لسلوك البكتيريا المنطقي، فقد ورد في مجلة «Science et vie» مقالا ضمن عددها الصادر في تموز 1999 أن البكتيريا في حالة اتصال دائم ،وتتخذ قرارها المناسب وفقا لهذا الاتصال المستمر. و حسب ما ورد في المجلة المذكورة فإن هذا الاتصال يتم عبر وسائل غاية في التّعقيد. فالبكتيريا تحتوي على آليات لإرسال إشارات كهربائية واستقبالها وهي موجودة على سطوح أجسامها. وبهذه الطريقة يتم الاتصال فيما بينها، والاتصال يشمل تبادل المعلومات حول خصائص الوسط الذي توجد فيه مع تبادل المعلومات عن كمية الغذاء الموجودة فيه. وعلى ضوء هذه المعلومات تتخذ البكتيريا القرار بالاستمرار في التكاثر أو التوقف عنه.
وبإيجاز تتمكن هذه الكائنات المجهرية من تجميع معلومات وافية عن الوسط الذي توجد، ومن ثم تستطيع أن تجري تقييما لهذه المعلومات و تتبادل فيما بينها هذه المعلومات باتخاذ قرار جماعي في اتجاه معين! إن هذا السلوك يستدعي وجود عقل واع و ذكاء كبير في كائنات حية مجهرية لا تملك مخا و لا جهازا عصبيا، إذن فلا بد من موجه ومسيطر على سلوك هذه الكائنات المجهرية.إن هذه الحقيقة تجعل المعجزة ساطعة أمامنا سطوع الشمس، أي أن هناك من يوجهها هذه الوجهة المناسبة، و الذي يوجهها هو الله الذي خلقها و ألهمها سلوكها فتبارك الله جلت قدرته. وهذه الحقيقة مُطّردة مع جميع الأحياء، و يعبر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله:
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم سورة هـود الآية- .56


الخاتمة


إلى هنا استعرضنا أمثلة عديدة من الكائنات الحية وغير الحية لسرد سلسلة من المعجزات الموجودة حولنا وفي كل مكان، وهي ليست سوى غيض من فيض. ولو ولّينا وجوهنا شطر أي مخلوق من مخلوقات الله تعالى لألفينا معجزات تقف العقول أمامها حائرة مبهوتة. ولعلّ المهمّ هو إدراك هذه المعجزات و استيعابها، فالتفكر والتمعّن في ماهية هذه المعجزات من صفات المؤمنين الذاكرين، أمّا الجاحدون و المنكرون والذين تملّكهم الكبر وأخذتهم العزة بالإثم فإنهم يمرون على هذه الآيات كأنهم لا يبصرون، وثمّة من يتجاهل وجودها أو يحاول أن يجد لها تفسيرات سطحية في محاولة لغلق موضوع النقاش أو تغييره عن وجهته إلى وجهة أخرى. ولكن معجزة واحدة من المعجزات التى ورد ذكرها فى هذا الكتاب تكفى دليلا لتسوق الإنسان العاقل المنصف ذي الضمير الحيّ إلى الإيمان بالله و بآياته. إنّ الجاحدين والناكرين للنعم على أبصارهم غشاوة وقلوبهم مختومة والعياذ بالله .وقد وردت آيات كثيرة في هذا المعنى منها قوله تعالى:
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ سورة القمر الآية 2.
وكما يتضح من هذه الآيات فإنّ الجحود والإنكار الذين يتّصف بهما هؤلاء الجاحدون مرده حبهم للدنيا و فتنها واتباعهم لأهوائهم، لأنّ أيّ تفكر أو إمعان فيالمعاني الرّوحية للمعجزات الإلهية تجعلهم في منأى عن الفتن و الأهواء. ومن جانب آخر فان تهرّبهم من قبول المعجزات يعني خوفهم من الجزاء الذى سينالهم فيالآخرة نتيجة كفرهم و جحودهم.
و لأنهم لا يستطيعون تحمل هذه الحقائق المؤلمة فإنهم يبذلون جهدهم و يسعون سعيهم لإنكار هذه المعجزات، ولكن سواء قبلوا أم لم يقبلوا فإن النتيجة واحدة : وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ سورة القمر الآية 3. فإن إنكار المنكرين لا يغير ما سيحصل فى الاخرة .
إن الإنكار و الجحود حالة تعيشها الإنسانية فى مختلف العصور، وهي سنّة الله في خلقه، فمن الناس من يرى ويتفكر ويعتبر ومنهم من يرى ويتجاهل وينكر. و يخبرنا القرآن الكريم بذالك حيث يقول:
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ o وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ o وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
سورة الأنعام، الآية 109-.111





ضع تعليقك :///////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////




الموضوع الأصلي : سلسلة المعجزات // المصدر : Cairo9 // الكاتب: سهر اليالي


سهر اليالي
سهر اليالي
سلسلة المعجزات  Empty


سلسلة المعجزات  Clock11 الخميس 2 يونيو 2011 - 0:55
سلسلة المعجزات

.

خديعـة التطور


إنّ نظرية التّطور أو الدّراوينية هي نظرية ظهرت لتناهض فكرة خلق الأحياء ولكنها لم تتجاوز حد كونها سفسطة لا تمت إلى العلم بأية صلة إضافة إلى كونها نظرية بعيدة عن أي نجاح وانتشار. وتدّعى هذه النظرية أن الحياة نشأت من مواد غير حية نتيجة للمصادفات العمياء، ولكنّ هذا الإدّعاء سرعان ما تهاوى أمام ثبوت خلق الأحياء وغير الأحياء من قبل الله عز وجل. فالذي خلق الكون ووضع فيه الموازين الدقيقة هو بلا شك الخالق الفاطر سبحانه وتعالى. ونظرية التّطور لا يمكن لها أن تكون صائبة طالما تشبثت بفكرة رفض ‘’ خلق الله للكائنات ‘’ وتبني مفهوم ‘’المصادفة ‘’ بدلا عنها .
وبالفعل عندما نتفحص جوانب هذه النظرية من كافة أبعادها نجد أن الأدلة العلمية تفنّدها الواحد بعد الآخر، فالتصميم الخارق الموجود في الكائنات الحية أكثر تعقيدا منه في الكائنات غير الحية. ومثال على ذلك الذّرات فهي موجودة وفق موازين حساسة للغاية ونستطيع أن نميز هذه الموازين بإجراء الأبحاث المختلفة عليها إلاّ أنّ هذه الذّرات نفسها موجودة في العالم الحي وفق ترتيب آخر أكثر تعقيدا، فهي تعتبر مواد أساسية لتركيب البروتينات والأنزيمات والخلايا وتعمل في وسط له آليات ومعايير حساسة إلى درجة مدهشة.
إنّ هذا التصميم الخارق كان سببا رئيسيا لتفنيد مزاعم هذه النظرية بحلول نهايات القرن العشرين .


المصاعب التي هدمت الدراوينية


ظهرت هذه النّظرية بصورة محددة المعالم في القرن التاسع عشر مستندة إلى التراكمات الفكرية والتي تمتد جذورها إلى الحضارة الإغريقية، ولكنّ الحدث الذي بلور هذه النظرية وجعل لها موطئ قدم في دنيا العلم هو صدور كتاب ‘’ أصل الأنواع ‘’ لمؤلفه تشارلس داروين. ويعارض المؤلف في كتابه عملية خلق الكائنات الحية المختلفة من قبل الله سبحانه وتعالى، وبدلا من ذلك يدعو إلى اعتقاده المبني على نشوء كافة الكائنات الحية من جد واحد، وبمرور الزمن ظهر الاختلاف بين الأحياء نتيجة حدوث التغييرات الطفيفة.
إنّ هذا الادعاء الدارويني لم يستند على أي دليل علمي ولم يتجاوز كونه ‘’جدلا منطقيا’’ ليس إلاّ باعترافه هو شخصيا حتى أن الكتاب احتوى على باب باسم ‘’مصاعب النظرية ‘’ تناول بصورة مطولة اعترافات داروين نفسه بوجود العديد من الأسئلة التي لم تستطع النظرية أن تجد لها الردود المناسبة لتشكل بذلك ثغرات فكرية في بنيان النظرية.
وكان يتمنى أن يجد العلم بتطوره الردود المناسبة لهذه الأسئلة ليصبح التطور العلمي مفتاح قوة للنظرية بمرور الزمن. وهذا التمني طالما ذكره في كتابه، ولكن العلم الحديث خيب أمل داروين وفند مزاعمه واحدا بعد الآخر .
ويمكن ذكر ثلاثة عوامل رئيسية أدت إلى انتهاء الداروينية كنظرية علمية وهي:
1 إنّ النظرية تفشل تماما في إيجاد تفسير علمي عن كيفية ظهور الحياة لأول مرة.
2 عدم وجود أي دليل علمي يدعم فكرة وجود ‘’آليات خاصة للتطور ‘’ كوسيلة للتكيف بين الأحياء.
3 إنّ السّجلات لحفريات المتحجرات تبين لنا وجود مختلف الأحياء دفعة واحدة عكس ما تدعيه نظرية التطور .
وسنشرح بالتفصيل هذه العوامل الثلاثة.


أصل الحياة :العائق غير المحلول أبدا


تدّعي نظرية التّطور أنّ الحياة والكائنات الحية بأكملها نشأت من خلية وحيدة قبل 3^8مليار سنة. ولكن كيف يمكن لخلية حية واحدة أن تتحول إلى الملايين من أنواع الكائنات الحية المختلفة من حيث الشكل والتركيب؟ و إذا كان هذا التحول قد حدث فعلا فلماذا لم توجد أية متحجرات تثبت ذلك؟. لم تستطع النظرية الإجابة على هذه الأسئلة، وقبل الخوض في هذه التفاصيل يجب التوقف عند الإدعاء الأول والمتمثل في تلك ‘’الخلية الأم’’. ترى كيف ظهرت إلى الوجود؟ تدعي النظرية أن هذه الخلية ظهرت إلى الوجود نتيجة المصادفة وحدها وتحت ظل ظروف الطبيعة دون أن يكون هنالك أي تأثير خارجي أو غير طبيعي أي أنها ترفض فكرة الخلق رفضا قاطعا، بمعنى آخر تدعي النظرية أن هذه الخلية ظهرت بفعل القوانين الطبيعية دون وجود أي تصميم أو تخطيط بل عن طريق المصادفات العشوائية. فحسب هذه النظرية قامت مواد غير حية بإنتاج خلية حية نتيجة المصادفات.ولكن هذا الزعم يتناقض مع أسس القوانين البيولوجية الموجودة.


الحياة تنشأ فقط من الحياة


لم يتحدث تشارلس داروين أبدا عن أصل الحياة في كتابه المذكور، والسبب يتمثّل في طبيعة المفاهيم العلمية التي كانت سائدة في عصره والتي كانت تتقبل فرضية تكون الأحياء من مواد بسيطة جدا. وكان العلم آنذاك ما يزال تحت تأثير نظرية ‘’التولد التلقائي’’ التي كانت تفرض سيطرتها منذ القرون الوسطى ومفادها أنّ موادا غير حية قد تجمعت بالمصادفة و أنتجت موادا حية. وهناك بعض الحالات اليومية كانت تسوق البعض إلى تبني هذا الاعتقاد مثل تكاثر الحشرات في فضلات الطّعام وتكاثر الفئران في صوامع الحبوب. ولإثبات هذه الادّعاءات الغريبة كانت تجري بعض التجارب مثل وضع حفنة من الحبوب على قطعة بالية ووسخة من قماش وعند الانتظار قليلا ستبدأ الفئران في الظهور حسب اعتقاد الناس في تلك الفترة .
وكانت هناك ظاهرة أخرى وهي تكاثر الدود في اللحم فقد ساقت النّاس إلى هذا الاعتقاد الغريب واتخذت دليلا له ولكن تم إثبات شيء آخر فيما بعد وهو أن الدود يتم جلبه بواسطة الذباب الحامل ليرقاته والذي يحط على اللحم للتغذية عليه. وفي الفترة التي ألف خلالها داروين كتابه ‘’أصل الأنواع’’ كانت الفكرة السائدة عن البكتيريا أنها تنشأ من مواد غير حية، ولكن أثبتت التطورات العلمية بعد خمس سنوات فقط من تأليف الكتاب عدم صحة ما جاء فيه وذلك عن طريق الأبحاث التي أجراها عالم الأحياء الفرنسي لويس باستير، ويلحض باستير نتائج أبحاثه كما يلي: ‘’لقد أصبح الإدعاء القائل بأن المواد غير الحية تستطيع أن تنشئ الحياة في مهب الريح’’ 68. وظل المدافعون عن نظرية التطور يكافحون لمدة طويلة ضد الأدلة العلمية التي توصل إليها باستير، ولكن العلم بتطوره عبر الزمن أثبت التعقيد الذي يتصف به تركيب الخلية، وبالتالي استحالة ظهور مثل هذا التركيب المعقد من تلقاء نفسه .


الجهود المبذولة دون جدوى في القرن العشرين


لقد كان الأخصّائي الروسي في علم الأحياء الكسندر أوبارين Alexander Oparinأول من تناول موضوع أصل الحياة في القرن العشرين، وأجرى أبحاثا عديدة في ثلاثينات القرن العشرين لإثبات أن المواد غير الحية تستطيع إيجاد مواد حية عن طريق المصادفة، ولكن أبحاثه باءت بالفشل الذريع واضطر أن يعترف بمرارة قائلا : ‘’إنّ أصل الخلية يعتبر نقطة سوداء مظلمة في نظرية التطور ‘’ 69. ولم ييأس باقي العلماء من دعاة التطور واستمروا في الطريق نفسه الذي سلكه أوبارين وأجروا أبحاثهم للتوصل إلى أصل الحياة. وأشهر بحث أجري من قبل الكيميائي الأميركي ستانلي ميللر سنة 1953 حيث افترض وجود مواد ذات غازات معينة في الغلاف الجوي في الماضي البعيد ووضع هذه الغازات مجتمعة في مكان واحد وجهزها بالطاقة، واستطاع أن يحصل على بعض الأحماض الأمينية التي تدخل في تركيب البروتينات .
واعتبرت هذه التجربة في تلك السّنوات خطوة مهمة إلى الأمام ولكن سرعان ما ثبت فشلها لأن المواد المستخدمة في البحث لم تكن تمثل حقيقة المواد التي كانت موجودة في الماضي السحيق، وهذا الفشل ثبت بالتأكيد في السنوات اللاحقة 70.
وبعد فترة صمت طويلة اضطر ميللر نفسه أن يعترف بأن المواد التي استخدمها في إجراء التجربة لم تكن تمثل حقيقة المواد التي كانت توجد في الغلاف الجوي في سالف الزمان71.
وباءت جميع التجارب التي أجراها الداروينيون طيلة القرن العشرين بالفشل، وهذه الحقيقة تناولها جيفري بادا Jeffroy Bada الأخصائي في الكيمياء الجيولوجية في المعهد العالي في سان ديغو سيكربس ضمن مقال نشره سنة 1998 على صفحات مجلة ‘’الأرض’’ ذات التوجه الدارويني و جاء في المقال ما يأتي:
‘’ نحن نودع القرن العشرين و مازلنا كما كنا في بدايته نواجه معضلة لم نجد لها إجابة وهي كيف بدأت الحياة ؟ ‘’ 72.


الآليات الخيالية لنظرية التطور


القضية الثانية التي كانت سببا في نسف نظرية داروين كانت تدور حول ‘’ آليات التطور ‘’ فهذا الإدعاء لم يثبت له أي مكان في دنيا العلم لعدم صحته علميا ولعدم احتوائه على قابلية التطوير الحيوي. وحسب ادعاء داروين فإنّ التطور حدث نتيجة ‘’الانتخاب الطبيعي’’ وأعطى أهمية استثنائية لهذا الإدّعاء حتى أنّ هذا الاهتمام من قبله يتضح من اسم الكتاب الذي أسماه ‘’أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي ‘’ .
إنّ مفهوم الانتخاب الطبيعي يستند إلى مبدأ بقاء الكائنات الحية التي تظهر قوة وملاءمة تجاه الظروف الطبيعية وعدم انقراضها، فعلى سبيل المثال لو هدد قطيع من الإيلة من قبل الحيوانات المفترسة فإن الأيل الأسرع في العدو يستطيع البقاء على قيد الحياة، وهكذا يبقى القطيع متألفا من أفراد أقوياء سريعين في العدو. ولكن هذه الآلية لا تكفي أن تطور الإيلة من شكل إلى آخر، كأن تحولها إلى خيول مثلا. لهذا السّبب لا يمكن تبني ‘’الانتخاب الطبيعي’’ كوسيلة للتطور، و حتى داروين نفسه كان يعلم ذلك وأفاد به ضمن كتابه ‘’ أصل الأنواع ‘’ بما يلي: ‘’طالما لم تظهر تغييرات إيجابية فإن الانتخاب الطبيعي لا يفي بالغرض المطلوب’’73.


تأثير لامارك


والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف كانت ستحدث هذه التغييرات الإيجابية ؟ وأجاب داروين على هذا السؤال استنادا إلى أفكار من سبقوه من رجالات عصره مثل لامارك، و لامارك عالم أحياء فرنسي عاش ومات قبل داروين بسنوات كان يدعي أن الأحياء تعاني تغييرات ظاهرية وتورثها إلى الأجيال اللاّحقة وكلما تراكمت هذه التغييرات جيلا بعد جيل أدّت إلى ظهور أنواع جديدة، وحسب ادعائه فإنّ الزّرافات نشأت من الغزلان نتيجة محاولاتها للتغذي على أوراق الأشجار العالية عبر أحقاب طويلة. وأعطى داروين أمثلة مشابهة في كتابه ‘’أصل الأنواع’’ فقد ادّعى أن الحيتان أصلها قادم من الدببة التي كانت تتغذى على الكائنات المائية مضطرة إلى النزول إلى الماء بين الحين والآخر 74. إلاّ أن قوانين الوراثة التي اكتشفها مندل والتطور الذي طرأ على علم الجينات في القرن العشرين أدّى إلى نهاية الأسطورة القائلة بانتقال الصفات المكتسبة من جيل إلى آخر، وهكذا ظلت ‘’ آلية الانتخاب الطبيعي’’ آلية غير ذات فائدة أو تأثير من وجهة نظر العلم الحديث.


الداروينية الحديثة والطفرات الوراثية


قام الدّاروينيون بتجميع جهودهم أمام المعضلات الفكرية التي واجهوها خصوصا في ثلاثينات القرن العشرين وساقوا نظرية جديدة أسموها بـ’’النظرية التركيبية الحديثة’’ أو ما عرفت بـ’’الداروينية الحديثة ‘’، وحسب هذه النظرية هناك عامل آخر له تأثير تطوري إلى جانب الانتخاب الطبيعي، وهذا العامل يتلخص في حصول طفرات وراثية أو جينية تكفي سببا لحدوث تلك التغييرات الإيجابية المطلوبة، وهذه الطفرات تحدث إمّا بسبب التعرض للإشعاعات أو نتيجة خطأ في الاستنساخ الوراثي للجينات .
وهذه النظرية مازالت تدافع عن التطور لدى الأحياء تحت اسم الداروينية الحديثة، وتدعى هذه النظرية بالتفصيل أن الأعضاء والتراكيب الجسمية الموجودة لدى الأحياء والمعقدة التركيب كالعين والأذن أو الكبد والجناح ...الخ لم تظهر أو تتشكل إلا بتأثير حدوث طفرات وراثية أو حدوث تغييرات في تركيب الجينات، ولكن هذا الإدعاء يواجه مطبّا علميا حقيقيا وهو أن الطفرات الوراثية تشكل على الدوام عامل ضرر على الأحياء ولم تكن ذات فائدة في يوم من الأيام. وسبب ذلك واضح جدا فإنّ جزيئة الـDNA معقدة التركيب للغاية وأي تغيير جزيئي عشوائي مهما كان طفيفا لابد وأن يكون له أثر سلبي، وهذه الحقيقة العلمية يعبر عنها العالم الأمريكي ب.ج.رانكاناثان B.G.Ranganathan الأخصائي في علم الجينات كما يلي:
‘’إنّ الطفرات الوراثية تتسم بالصغر والعشوائية والضرر ولا تحدث إلا نادرا وتكون غير ذي تأثير في أحسن الأحوال. إنّ هذه الخصائص العامة الثلاث توضح أنّ الطفرات لا يمكن أن تلعب دورا في إحداث التطور خصوصا أنّ أيّ تغيير عشوائي في الجسم المعقد لابدّ له أن يكون إمّا ضارا أو غير مؤثر، فمثلا أيّ تغيير عشوائي في ساعة اليد لا يؤدي إلى تطويرها، فالاحتمال الأكبر أن يؤدي إلى إلحاق الضرر بها أو أن يصبح غير مؤثّر بالمرة ‘’75.
وهذا ما حصل فعلا لأنّه لم يثبت إلى اليوم وجود طفرة وراثية تؤدّي إيى تحسين البنية الجينية للكائن الحي. والشواهد العلمية أثبتت ضرر جميع الطفرات الحاصلة، وهكذا يتضح أنّ هذه الطفرات التي جعلت سببا لتطور الأحياء من قبل الداروينية الحديثة ما هي إلا وسيلة تخريبية التأثير على الأحياء حيث تتركهم معاقين في أغلب الأحيان وأفضل مثال للطفرة الوراثية الحاصلة لجسم الإنسان هو الإصابة بمرض السرطان ولا يمكن والحال كذلك أن تصبح الطفرات الوراثية ذات التأثير الضار آلية معتمدة علميا لتفسير عملية التّطور. أمّا آلية الانتخاب الطبيعي فهي بدورها لا يمكن أن تكون مؤثرة لوحدها فقط حسب اعترافات داروين نفسه، وبالتالي لا يمكن أن يوجد مفهوم يدعى بـ’’التطور’’، أي أنّ عملية التطور لدى الأحياء لم تحدث البتة.


سجلات المتحجرات : لا أثر للمخلوقات الانتقالية أو الحلقات الوسطى


تعتبر سجلاّت المتحجّرات أفضل دليل على عدم حدوث أي من السيناريوهات التي تدّعيها نظرية التطور، فهذه النظرية تدّعي أنّ الكائنات الحيّة من مختلف الأنواع نشأت بعضها من البعض الآخر، فنوع معين من الكائن الحي من الممكن أن يتحول إلى نوع آخر بمرور الزمن وبهذه الوسيلة ظهرت الأنواع المختلفة من الأحياء، وحسب النظرية فإنّ هذا التحول النوعي استغرق مئات الملايين من السنين. واستنادا على هذا الإدعاء ينبغي وجود أنواع انتقالية أو حلقات وسطى طوال فترة حصول التحول النوعي في الأحياء .
على سبيل المثال ينبغي وجود كائنات تحمل صفاتا مشتركة من الزواحف والأسماك لأنها في البداية كانت مخلوقات مائية تعيش في الماء وتحولت بالتدريج إلى زواحف، أو يفترض وجود كائنات ذات صفات مشتركة من الطيور والزواحف لأنها في البداية كانت زواحفا ثم تحولت إلى طيور، ولكون هذه المخلوقات الافتراضية قد عاشت في فترة تحول فلابد أن تكون ذات قصور خلقي أو مصابة بإعاقة أو تشوّه ما، ويطلق دعاة التطور على هذه الكائنات الانتقالية اسم ‘’الحلقات الوسطى’’.
ولو فرضنا أن هذه ‘’الحلقات الوسطى’’ قد عاشت فعلا في الأحقاب التاريخية فلا بد أنها وجدت بأعداد كبيرة وبأنواع كثيرة تقدر بالملايين بل بالمليارات، وكان لابد أن تترك أثرا ضمن المتحجرات المكتشفة، ويعبر داروين عن هذه الحقيقة في كتابه:
‘’إذا صحت نظريتي فلا بد أن تكون هذه الكائنات الحية العجيبة قد عاشت في فترة ما على سطح الأرض ... وأحسن دليل على وجودها هو اكتشاف متحجرات ضمن الحفريات’’ 76.


خيبة آمال داروين


أجريت حفريات وتنقيبات كثيرة جدا منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى الآن ولكن لم يعثر على أي أثر لهذه ‘’ الحلقات الوسطى أو الأشكال الانتقالية ‘’، وقد أثبتت المتحجرات التي تم الحصول عليها نتيجة الحفريات عكس ما كان يتوقعه الداروينيون من أن جميع الأحياء بمختلف أنواعها قد ظهرت إلى الوجود فجأة وعلى أكمل صورة .
وقد اعترف بهذه الحقيقة أحد غلاة الداروينيّة وهو ديريك وايكر W.Ager Derek الأخصائي البريطاني في علم المتحجرات قائلا:
إنّ مشكلتنا الحقيقية هي حصولنا على كائنات حية كاملة سواء على مستوى الأنواع أو الأصناف عند تفحصنا للمتحجرات المكتشفة، وهذه الحالة واجهتنا دوما دون العثور على أيّ أثر لتلك المخلوقات المتطورة تدريجيا 77.
أي أن المتحجرات تثبت لنا ظهور الأحياء كافة فجأة دون أي وجود للأشكال الانتقالية. وهذا عكس ما ادعاه داروين طبعا، وهذا تعبير على كون هذه الكائنات الحية مخلوقة لأن التفسير الوحيد لظهور كائن حي فجأة دون أن يكون له جد معين هو أن يكون مخلوقا، وهذه الحقيقة قد قبلها عالم أحياء مشهور مثل دوغلاس فوتويما Douglas Futuyama الذي يقول:
إنّ الخلق والتطور مفهومان أو تفسيران سائدان في دنيا العلم لتفسير وجود الأحياء، فالأحياء إمّا وجدت فجأة على وجه البسيطة على أكمل صورة أو لم تكن كذلك، أي أنها ظهرت نتيجة تطورها عن أنواع أو أجداد سبقتها في الوجود، وإن كانت قد ظهرت فجأة وبصورة كاملة الشكل والتكوين فلابد من قوة لاحد لها وعقل محيط بكل شيء توليا إيجاد مثل هذه الكائنات الحية 78.
فالمتحجرات تثبت أن الكائنات الحية قد ظهرت فجأة على وجه الأرض وعلى أحسن شكل وتكوين، أي أن أصل الأنواع هو الخلق وليس التطور كما كان يعتقد داروين .


القصة الملفقة لتطور الإنسان


إنّ من أهم المواضيع المطروحة للنقاش ضمن نظرية التطور هو بلاشك أصل الإنسان، وفي هذا الصدد تدعي الداروينية بأن الإنسان الحالي نشأ متطورا من كائنات حية شبيهة بالقرد عاشت في الماضي السحيق، وفترة التطور بدأت قبل 4-5 ملايين سنة وتدعي النظرية وجود بعض الأشكال البينية خلال الفترة المذكورة، وحسب هذا الإدعاء الخيالي هناك أربعة مجاميع رئيسية ضمن عملية تطور الإنسان وهي :
-1أوسترالوبيثيكوس .
-2هومو هابيليس .
-3هومو اريكتوس .
-4هومو سابينس .
يطلق دعاة التطور على الجد الأعلى للإنسان الحالي اسم ‘’ أوسترالوسيثيوكس ‘’ أو قرد الجنوب، ولكن هذه المخلوقات ليست سوى نوع منـقرض من أنواع القرود المختلفة، وقد أثبتت الأبحاث التي أجراها كلّ من الأمريكي البروفيسور تشارلز أوكسنارد Charles Oxnard والبريطاني اللورد سوللي زاخرمان Solly Zuckermanوكلاهما من أشهر علماء التشريح على قرد الجنوب إن هذا الكائن الحي ماهو إلا نوع منقرض من القرود ولا علاقة له بالمرة بالإنسان 79.
والمرحلة التي تلي قرد الجنوب يطلق عليها من قبل الداروينيين اسم ‘’هومو’’ أو الإنسان، وفي كافة مراحل الـ ‘’ هومو’’ أصبح الكائن الحي أكثر تطورا من قرد الجنوب، ويتشبث الداروينيون بوضع المتحجرات الخاصة بهذه الأنواع المنقرضة كدليل على صحة نظريتهم وتأكيدا على وجود مثل هذا الجدول التطوري الخيالي، ونقول خيالي لأنه لم يثبت إلى الآن وجود أي رابط تطوري بين هذه الأنواع المختلفة. و هذه الخيالية في التفكير اعترف بها أحد دعاة نظرية التطور في القرن العشرين وهو أرنست ماير Ernest Mayer قائلا: ‘’إنّ السلسلة الممتدة إلى هومو سايينس منقطعة الحلقات بل مفقودة ‘’80.
وهناك سلسلة يحاول الدراوينيون إثبات صحتها تتكون من قرد الجنوب أوسترالوبيثيكوس هوموهابيليس ـ هومواريكتوس ـ هوموسابنيس أي أن أقدمهم يعتبر جدا للّذي يليه، ولكن الاكتشافات التي وجدها علماء المتحجرات أثبتت أن قرد الجنوب و هوموهابيليس و هومواريكتوس قد وجدت في أماكن مختلفة وفي نفس الفترة الزمنية 81. والأهم من ذلك هو وجود أنواع من هومو أريكتوس قد عاشت حتى فترات حديثة نسبيا ووجدت جنبا إلى جنب مع هومو سايينس نياندرتاليسيسن و هوموسايينس الإنسان الحالي 82 .
وهذه الاكتشافات أثبتت عدم صحة كون أحدهما جدا للأخر، و أمام هذه المعضلة الفكرية التي واجهتها نظرية داروين في التطور يقول أحد دعاتها وهو ستيفن جي كولد Stephen Jay Gould الأخصائي في علم المتحجرات في جامعة هارفارد ما يأتي:
‘’إذا كانت ثلاثة أنواع شبيهة بالإنسان قد عاشت في نفس الحقبة الزمنية، إذن ماذا حصل لشجرة أصل الإنسان ؟ الواضح أنه لا أحد من بينها يعتبر جدا للآخر، و الأدهى من ذلك عند إجراء مقارنة بين بعضها البعض لا يتم التوصل من خلالها إلى أية علاقة تطورية فيما بينها ‘’83.
وبصريح العبارة أن اختلاق قصة خيالية عن تطور الإنسان والتأكيد عليها إعلاميا وتعليميا والترويج لنوع منقرض من الكائن الحي نصفه قرد ونصفه الآخر إنسان ما هو إلا عمل لا يستند إلى أي دليل علمي. وقد أجرى اللورد سوللي زاخرمان البريطاني أبحاثه على متحجرات قرد الجنوب لمدة 15 سنة متواصلة علما أن له مركزه العلمي كأخصائي في علم المتحجرات وقد توصل إلى عدم وجود أية سلسلة متصلة بين الكائنات الشبيهة بالقرد وبين الإنسان واعترف بهذه النتيجة بالرغم من كونه دارويني التفكير .
قام زاخرمان بتأليف جدول خاص للمعرفة أدرج فيها فروع المعرفة التي يعدها علمية ، وكذلك فروع المعرفة التي يعدها خارج نطاق العلم. وحسب جدول زاخرمان تشمل الفروع العلمية والتي تستند إلى أدلة مادية علمي الكيمياء والفيزياء. ويليهما علم الأحياء فالعلوم الاجتماعية وأخيرا، أي في حافة الجدول تأتي فروع المعرفة الخارجة عن نطاق العلم. ووضع في هذا الجزء من الجدول علم تبادل الخواطر والحاسة السادسة والشعور أو التحسس النائي التلباثي وأخيرا علم تطور الإنسان ويضيف زاخرمان تعليقا على هذه المادة الأخيرة في الجدول كما يلي:
‘’ عند انتقالنا من العلوم المادّية إلى الفروع التي تمت بصلة إلى علم الأحياء النائي أو الإستشعار عن بعد وحتى استنباط تاريخ الإنسان بواسطة المتحجرات نجد أنّ كل شيء جائز وممكن خصوصا للمرء المؤمن بنظرية التطور حتى أنه يضطر أن يتقبل الفرضيات المتضادة أو المتضاربة في آن واحد’’ 84.
إذن إنّ القصة الملفقة لتطور الإنسان ليست إلاّ إيمان أعمى من قبل بعض الناس بالتأويلات غير المنطقية لأصل بعض المتحجرات المكتشفة .


التقنية الراقية في العين والأذن


إنّ نظرية التّطور تعجز تمام العجز عن تفسير أمر آخر وهو كيفية وجود هذا المستوى الراقي من التحسس سواء في العين أو في الأذن. وقبل شرح موضوع العين دعونا نطلع ولو بإيجاز على كيفية أداء العين لوظيفة الإبصار، فالضوء المنعكس من جسم ما يسقط على شبكية العين بصورة مقلوبة، وهذا الضوء يتحول عن طريق الخلايا الموجودة في الشبكية إلى إشارات كهربائية تتدفق إلى مركز الإبصار الموجود في مؤخرة المخ، وبعد سلسلة من التفاعلات يتم تفسير هذه الإِشارات وتحويلها إلى صورة لذلك الجسم من قبل مركز الإبصار. و بعد هذا الاستعراض الموجز لنفكر قليلا وكما يأتي: إنّ المخ يكون بمعزل عن الضوء، أي أن داخله مظلم تماما، والضوء لا يستطيع الولوج داخله، أو بالأحرى لا يستطيع أبدا الوصول إلى مركز الإبصار، وربما كان من أشد الأماكن ظلمة ، ولكن المرء يستطيع الإبصار بواسطة هذا المركز الشديد الظلمة، إضافة إلى كون هذا الإبصار حادا وواضحا إلى درجة مذهلة يعجز عنه العلم المتقدم في القرن الحادي والعشرين أن ينجز مثيلا له، فمثلا انظروا إلى الكتاب الذي بين أيديكم وانظروا ما حولكم هل رأيتم صفاء ووضوحا في الصورة كالتي ترونها الآن؟ إن هذا الصفاء في الصورة لا يمكن أن يرى حتى في أحسن تلفزيون صنع حتى الآن. ومازال المهندسون البارعون يعملون بدأب منذ 100سنة للحصول على صفاء صورة كالتي ترونها الآن بعيونكم، و انظروا مرة أخرى إلى شاشة التلفزيون وتارة أخرى إلى الكتاب الذي بين أيديكم ،هناك فرق شاسع بين الصورتين من ناحية صفاء الصورة ووضوحها، إضافة إلى كون الصورة التلفزيونية ثنائية الأبعاد أماّ الصورة التي ترونها بعيونكم فثلاثية الأبعاد مجسمة.
وهناك أبحاث ومشاريع تجري منذ سنوات عديدة لإنتاج أجهزة التلفزيون صورتها ثلاثية الأبعاد وتضاهي الصورة التي تتحسسها عين الإنسان، ونجح الإنسان في صنع هذا التلفزيون ولكن لا يمكن مشاهدة الصّور على شاشته إلا باستخدام نظارة خاصة، إضافة إلى كون الصورة ثلاثية الأبعاد صنعية ليس إلا، فخلفية الصورة تبدو مشوشة والواجهة تبدو كأنها قطعة ورق، ولا يمكن أبدا أن تتشكل صورة مضاهية للصورة التي تكونها عين الإنسان، فالصورة التي تكونها الكاميرا أو التلفزيون لابد وأن تكون مشوشة بعض الشيء أو تفقد جزءا من صفائها. هنا يدعي الداروينيون أن هذا الصفاء والحدة في تشكيل الصورة من قبل العين قد اكتسب بالمصادفة، ولو أخبركم أحدهم بأن التلفزيون الموجود في الغرفة قد تشكل مصادفة أي اجتمعت الذرات مع بعضها وألّفت فيما بينها هذا الجهاز المدعو التلفزيون ، كيف تفسرون هذا الخبر؟ كيف تنجح الذرات في عمل شيء يعجز الملايين من البشر ؟
إذن فكما أنّ من المستحيل أن يظهر جهاز أقل تعقيدا من العين بالمصادفة كذلك العين نفسها والصورة التي تكونها من المستحيل أن يظهرا هكذا بالمصادفة، ونفس الشيء ممكن بالنسبة إلى الأذن، فالأذن الخارجية تقوم باستقبال الموجات الصوتية وتجمعها بواسطة صيوان الأذن وتنقلها إلى الأذن الوسطى والتي تقوم بدورها بتقوية هذه الموجات ونقلها إلى الأذن الداخلية والتي تقوم بتحويل هذه الموجات الصوتية إلى إشارات كهربائية تنتقل إلى المخ، وهنا يحصل مثلما يحصل أثناء الإبصار، فمركز السمع الموجود في المخ يقوم بتأويل هذه الإشارات الكهربائية إلى صوت مسموع .
ويمكن إجراء نفس المناقشة الذهنية أي أن المخّ مقفل أمام الصوت كما هو أمام الضوء، أي أن داخل المخ يكون عديم الصوت مهما كانت الضوضاء عالية في المحيط الخارجي، مع هذا يتم الإحساس بأنقى الأصوات بواسطة المخ، ويمكنكم بمخكم هذا المعزول عن الصوت سماع اوركسترا تعزف سيمفونية، أو سماع ضوضاء الشارع ولكن لو تم قياس مستوى الصوت داخل المخ بواسطة جهاز متقدم عند لحظة الاستماع للموسيقى الصاخبة فمن المؤكد أن نجد الصمت المطلق داخل المخ .
ومثلما استخدمت التكنولوجيا للحصول على أدق الصور وأوضحها فنفس الشيء يذكر بالنسبة للصوت فالمحاولات جارية منذ عشرات السنين للحصول على أوضح الأصوات وأنـقاها.إن أجهزة تسجيل الصوت وأجهزة الاستماع الى الموسيقى وأجهزة أخرى إلكترونية حساسة للصوت ليست سوى نتاج لهذه المحاولات الجارية. وبالرغم من وجود كل هؤلاء المهندسين والفنيين البارعين وهذه التكنولوجيا المتقدمة لم يتم التوصل حتى الآن إلى درجة النقاء الصوتي للأذن البشرية. فأجهزة الصوت المصنوعة من قبل أحسن الشركات لابد وأن يكون الصوت الذي تصدره معرضا لشيء من التشويش أو فقدان درجة معينة من الوضوح أما الصوت الذي تستقبله الأذن البشرية فيتميز بغاية الوضوح والنقاء، فالأذن البشرية لا تسلك سلوك أجهزة التسجيل أبدا كأن يكون هناك شيء من الضوضاء أو الأزيز المزعج ،إذ يتم استقبال الصوت كما هو دون تغيير، وهذا الأمر موجود وفعال منذ خلق الإنسان وحتى الآن. ولم يكن أي جهاز صنعه الإنسان صوتيا كان أم مرئيا بدرجة وضوح ودقة العين والأذن البشريتين ولكن هناك حقيقة كبرى تقف خلف حاسة السمع والبصر وتعبر عن نفسها بوضوح.


لمن يعود الشعور الخاص بالسمع والبصر في المخ؟


من الذي يوجد داخل المخ ويشاهد هذا العالم الزاهي الألوان من حولنا أو يستمع إلى أصوات الطيور أو الموسيقى السيمفونية المؤثرة أو يشم رائحة الزهور الزكية ؟
فالإشارات الكهربائية القادمة من الأعضاء الحية الموجودة في الأنف والأذن والعين تذهب إلى المخ ويمكن للمرء أن يطلع على كيفية تحول الإشارة الكهربائية إلى صورة في المخ عن طريق قراءة كتب علم الأحياء أو علم الفيزياء الحيوية أو الكيمياء الحيوية، ولكن هناك حقيقة تتعلق بهذا الأمر لا يمكن أن تجدوها في أي مصدر، من ذا الذي يشم أو يرى أو يسمع داخل المخ ؟ لأنه يوجد في المخ نظام خاص يستطيع الإبصار والسمع والشم دون الحاجة إلى عين أو أذن أو أنف، لمن يعود هذا النظام المتقدم ؟
إن هذا النظام المتقدم ما هو إلا الروح الذي خلقه الله العليم الحكيم، فالروح لا يحتاج إلى العين كي يبصر ولا يحتاج إلى الأذن كي يسمع ولا يحتاج إلى المخ للتفكير فيما هو أبعد من ذلك.حتما أن هذا النظام المتقدم لا يعود إلى المخ المتشكل من الأعصاب أو الخلايا العصبية لذلك يعجز الداروينيون الذين يظنون أن أصل كل شيء هو المادة عن الإجابة على هذه الأسئلة .
فعلى الإنسان أن يفكر مليا أمام هذه الحقيقة العلمية ، فعدة سنتيمترات مكعبة من المخ تستطيع إبصار الكائنات بشكل مجسم ثلاثي الأبعاد، وأزهى الألوان بقدرة العزيز القهار فعلى الإنسان أن يخاف ربه ويشكره ويحمده على هذه النعم ويلتجئ إليه.


عقيدة مادية


لقد استعرضنا النظرية الخاصة بالتطور ومدى تناقضها مع الأدلة والشواهد العلمية ومدى تناقض فكرها المتعلق بأصل الحياة مع القواعد العلمية، واستعرضنا أيضا كيفية انعدام التأثير التطوري لكافة آليات التطور التي تدعو إليها هذه النظرية وانعدام وجود أية آثار لمتحجرات تثبت وجود الأشكال الانتقالية أو الحلقات الوسطى للحياة عبر التاريخ، لهذا السبب نتوصل إلى ضرورة التخلي عن التشبث بالنظرية التي تعتبر متناقضة مع قواعد العلم والعقل، ولابد أن تنتهي كما انتهت نظريات أخرى عبر التاريخ والتي ادعت بعضها أن الأرض مركز الكون. ولكن هناك إصرار عجيب على بقاء هذه النظرية في واجهة الأحداث العلمية وهناك البعض يتمادى في تزمته ويتهم أي نقد للنظرية بأنه هجوم على العلم والعلماء .
والسبب يكمن في تبني بعض الجهات لهذه النظرية واعتبارها عقيدة صارمة لا يمكن التخلي عنها، وهذه الجهات يتميز تفكيرها بأنه نابع من المدرسة المادية بل متصلة بالفكر المادي اتصالا أعمى وتعتبر الداروينية التفسير المادي الوحيد للطبيعة.
وأحيانا تعترف هذه الجهات بالحقيقة السابقة، كما يقول ريتشار دليونتن Richard Lewontin أشهر الباحثين في علم الجينات والذي يعمل في جامعة هارفارد و هو من المدافعين الشرسين عن نظرية التطور ويعتبر نفسه ماديا ثم رجل علم :
‘’نحن نؤمن بالمادية، ونؤمن بأشياء مسلم بها سلفا وهذا الإيمان المسبق بالفلسفة المادية وارتباطنا بها هو الذي يجعلنا نضع تفسيرات مادية ومفاهيم مادية لجميع الظاهر في العالم. وليس قواعد العلم ومبادؤه،. وإيماننا المطلق بالمادية هو سبب دعمنا اللامحدود لكل الأبحاث الجارية لإيجاد تفسيرات مادية لكافة الظواهر التي توجد في عالمنا، ولكون المادية صحيحة صحة مطلقة فلا يمكن أبدا أن نسمح للتفسيرات الإلهية أن تقفز إلى واجهة الأحداث’’85.
إن هذه الكلمات تعكس مدى الدوغمائية والارتباط الأعمى بالفلسفة المادية لهؤلاء العلماء ، ويعتبر غلاة أصحاب هذه النظرية أنه لا يوجد هناك شيء غير المادة ، ولهذا السبب يؤمنون بأن المواد غير الحية هي سبب وجود المواد الحية، أي أن الملايين من الأنواع المختلفة كالطيور والأسماء والزرافات والنمور والحشرات والأشجار والزهور والحيتان وحتى الإنسان ليست إلا نتاجا للتحول الداخلي الذي طرأ على المادة بسبب عوامل طبيعية كالمطر المنهمر والرعد والصواعق. والواقع أن هذا الاعتقاد يتعارض تماما مع قواعد العقل والعلم ، إلا أن الداروينيين مازالوا يدافعون عن آرائهم خدمة لأهدافهم ‘’ لا يمكن أبدا أن نسمح للتفسيرات الإلهية أن تقفز إلى واجهة الأحداث ‘’.
و كلّ إنسان ينظر إلى قضية أصل الأحياء من وجهة نظر غير مادية لابد له أن يرى الحقيقة الساطعة كالشمس، إنّ كافة الكائنات الحية قد وجدت بتأثير قوة لا متناهية وعقل لا حد له أي خلقت من قبل خالق لها، وهذا الخالق هو الله العلي القدير الذي خلق كل شيء من العدم وقال له كن فيكون .




1 Heeren, F. 1995. Show Me God. Wheeling, IL, Searchlight Publications, p. 200.
2 The Anthropic Principle: Laws and Envirnoments. The Anthropic Principle, F. Bertola and U.Curi, ed. New York, Cambridge University Press, 1993, p. 30.
3 Davies, P. 1984. Superforce:The Search for a Grand Unified Theory of Nature. (New York: Simon & Schuster, 1984), p. 243.
4 Heeren, F. 1995. Show Me God. Wheeling, IL, Searchlight Publications, p. 233.
5 Fred Hoyle, The Intelligent Universe, London, 1984, pp. 184-185.
6 Willford, J.N. March 12, 1991. Sizing up the Cosmos: An Atronomers Quest. New York Times, p. B9.
7 Paul Davies, Superforce: The Search for a Grand Unified Theory of Nature, 1984, p. 184.
8 Bilim ve Teknik, say. 201, p. 16.
9 Stephen Hawking, A Brief History Of Time, Bantam Press, London: 1988, pp. 121-125.
10 Guth A. H. «Inflationary Universe: a possible solution to the horizon and flatness problems», in Physical Review D, 23. (1981), p. 348.
11 Paul Davies. God and the New Physics. New York: Simon & Schuster, 1983, p. 189.
12 Michael Denton, Nature’s Destiny, p. 11.
13 George Greenstein, The Symbiotic Universe. New York: William Morrow, 1988, p. 21
14 Paul Davies, «The Unreasonable Effectiveness of Science», Evidence of Purpose, edited by John Marks Templeton, 1994, The Cotinuum Publishing Company, New York, p.49.
15 George Greenstein, The Symbiotic Universe, pp. 43-44.
16 Paul Davies. The Final Three Minutes, New York: BasicBooks, 1994, p. 49-50.
17 Paul Davies. The Accidental Universe, Cambridge: Cambirdge University Press, 1982, p. 118.
18 Fred Hoyle, Religion and the Scientists, London: SCM, 1959; M. A. Corey, The Natural History of Creation, Maryland: University Press of America, 1995, p. 341.
19 Michael Denton, Nature’s Destiny: How the Laws of Biology Reveal Purpose in the Universe, The New York: The Free Press, 1998, pp. 12-13.
20 Paul Davies. The Accidental Universe, Cambridge: Cambirdge University Press, 1982.
21 Hugh Ross, The Creator and the Cosmos: How Greatest Scientific Discoveries of The Century RevealGod, Colorado: NavPress, revised edition, 1995, pp. 122-123.
22 Jastrow, R. 1978. God and the Astronomers. NewYork, W.W. Norton, p. 116.
23 George Greenstein, The Symbiotic Universe, pp. 64-65.
24 Roger Penrose, The Emperor’s New Mind, 1989; Michael Denton, Nature’s Destiny, The New York: The Free Press, 1998, p. 9.
25 Michael Denton, Nature’s Destiny, p. 262.
26 Mishurov, Y.N. and L.A. Zenina. 1999. Yes, The Sun is Located Near the Corotation Circle. Astronomy & Astrophsica 341: p. 81-85.


27 Peter D. Ward and Donald Brownlee, «Rare Earth: Why Complex Life is Uncommon in the Universe».
28 G.W. Wetherill, «How Special is Jupiter?», Nature, vol. 373, 1995, p. 470.
29 Innanen, Kimmo, S. Mikkola, and P.Wiegert. 1998. The Earth-Moon System and the Dynamical Stability of the Inner Solar System. The Astronomical Journal 116: pp. 2055-2057.
30 Hugh Ross, The Fingerprint of God: Recent Scientific Discoveries Reval the Unmistakable Identity of the Creator, Oranga, California, Promise Publishing, 1991, pp. 129-132.
31 F. Press, R. Siever, Earth, New York: W. H. Freeman, 1986, p. 4.
32 F. Press, R. Siever, Earth, New York: W. H. Freeman, 1986, p. 4.
33 F. Press, R. Siever, Earth, New York: W. H. Freeman, 1986, p. 4.
34 Michael Denton, Nature’s Destiny, p. 121.
35 James J. Lovelock, Gaia, Oxford: Oxford University Press, 1987, p. 71.
36 Michael Denton, Nature’s Destiny, p. 127.
37 Michael Denton, Nature’s Destiny, p. 128.
38- Michael Denton, Nature’s Destiny, p. 51.
39 Ian M. Campbell, Energy and the Atmosphere, London: Wiley, 1977, pp. 1-2.
40 George Greenstein, The Symbiotic Universe, p. 96.
41 George Greenstein, The Symbiotic Universe, pp. 96-97.
42 Michael Denton, Nature’s Destiny, p. 62, 69.
43 Michael Denton, Nature’s Destiny, p. 55.
44 Encyclopaedia Britannica, 1994, 15th ed., vol 18, p. 203.
45 Lawrence Henderson, The Fitness of the Environment, Boston: Beacon Press, 1958, p. 105.
46 Michael Denton, Nature’s Destiny, p. 32.
47 Harold J. Morowitz, Cosmic Joy and Local Pain, New York: Scribner, 1987, pp. 152-153.
48 Michael Denton, Nature’s Destiny, p. 33.
49 Michael Denton, Nature’s Destiny, p. 35.
50 Michael Denton, Nature’s Destiny, pp. 35-36.
51 Michael Denton, Nature’s Destiny, pp. 115-116.
52 Irwin Fridovich, «Oxygen Radicals, Hydrogen Peroxide, and Oxygen Toxicity», Free Radicals in Biology, (ed. W. A. Pryor), New York: Academic Press, 1976, pp. 239-240.
53 Fred Hoyle, Chandra Wickramasinghe, Evolution from Space, New York, Simon & Schuster, 1984, p. 148.
54 W. R. Bird, The Origin of Species Revisited, Nashville: Thomas Nelson Co., 1991, p. 305.
55 Ali Demirsoy, Kal]t]m ve Evrim, Ankara: Meteksan Yay]nlar], 1984, p. 61.
56 Fabbri Britannica Bilim Ansiklopedisi, vol 2, no 22, p. 519
57 David Raup, «Conflicts Between Darwin and Paleontology», Bulletin, Field Museum of Natural History, vol 50, Jan 1979, p. 24.
58 Richard Monestarsky, «Mysteries of the Orient», Discover, Apr 1993, p. 40.
59 Richard Dawkins, The Blind Watchmaker, London: W. W. Norton 1986, p. 229.
60 Douglas J. Futuyma, Science on Trial, New York: Pantheon Books, 1983. p. 197.
61 Frank B. Salisbury, «Doubts About the Modern Synthetic Theory of Evolution», American Biology Teacher, Sep 1971, p. 336.
62 Paul Auger, De La Physique Theorique a la Biologie, 1970, p. 118.
63 Leslie E. Orgel, «The Origin of Life on Earth», Scientific American, vol 271, Oct 1994, p. 78.
64 John Horgan, «In the Beginning», Scientific American, vol 264, Feb 1991, p. 119.
65 Douglas R. Hofstadter, G]del, Escher, Bach: An Eternal Golden Braid, New York: Vintage Books, 1980, p. 548.
66 Hoimar Von Dithfurth, «Dinozorlar]n Sessiz Gecesi», Alan Yay]nc]l]k, vol 2, p.126.
67 Michael Denton, Nature’s Destiny, p. 228.
68 Sidney Fox, Klaus Dose, Molecular Evolution and The Origin of Life, New York: Marcel Dekker, 1977, p. 2.
69 Alexander I. Oparin, Origin of Life, (1936) New York, Dover Publications, 1953 (Reprint), p.196.


70 «New Evidence on Evolution of Early Atmosphere and Life», Bulletin of the American Meteorological Society, vol 63, Nov 1982, pp. 1328-1330.
71 Stanley Miller, Molecular Evolution of Life: Current Status of the Prebiotic Synthesis of Small Molecules, 1986, p. 7.
72 Jeffrey Bada, Earth, Feb 1998, p. 40.
73 Charles Darwin, The Origin of Species: A Facsimile of the First Edition, Harvard University Press, 1964, p. 189
74 Charles Darwin, The Origin of Species: A Facsimile of the First Edition, Harvard University Press, 1964, p. 184.
75 B. G. Ranganathan, Origins?, Pennsylvania: The Banner Of Truth Trust, 1988.
76 Charles Darwin, The Origin of Species: A Facsimile of the First Edition, Harvard University Press, 1964, p. 179.
77 Derek A. Ager, «The Nature of the Fossil Record», Proceedings of the British Geological Association, vol 87, 1976, p. 133.
78 Douglas J. Futuyma, Science on Trial, New York: Pantheon Books, 1983. p. 197.
79 Solly Zuckerman, Beyond The Ivory Tower, New York: Toplinger Publications, 1970, sp. 75-94; Charles E. Oxnard, «The Place of Australopithecines in Human Evolution: Grounds for Doubt», Nature, vol 258, p. 389.
80 J. Rennie, «Darwin’s Current Bulldog: Ernst Mayr», Scientific American, Dec 1992.
81 Alan Walker, Science, vol. 207, 1980, p. 1103; A. J. Kelso, Physical Antropology, 1st ed., New York: J. B. Lipincott Co., 1970, p. 221; M. D. Leakey, Olduvai Gorge, vol. 3, Cambridge: Cambridge University Press, 1971, p. 272.
82 Time, Nov 1996
83 S. J. Gould, Natural History, vol. 85, 1976, p. 30.
84 Solly Zuckerman, Beyond The Ivory Tower, New York: Toplinger Publications, 1970, p. 19.
85 Richard Lewontin, «The Demon-Haunted World», The New York Review of Books, 9 Jan, 1997, p. 28.
71
إنّ الانفجارات دائما تؤدي إلى بعثرة المادة وتشتيتها بشكل عشوائي.



18
إنّ الكون الذي نعيش فيه ظهر إلى الوجود قبل 15 مليار سنة نتيجة انفجار عظيم حدث في نقطة واحدة وأخذ في التّمدد حتى اتخذ شكله الحالي، ولكن في أعقاب هذا الانفجار الذي كان يحتوي على مادة الكون اتخذ الكون شكله المنظم والرائع الحالي.

20
تمتلك سرعة تمدد الكون قيمة حسّاسة جدا، ولو أصاب هذه الحساسية أي خلل بنسبة 1 إلى مليار مليار لما تشكل الكون الذي نعيش ضمنه حاليا، ويمكن تشبيه هذا الاحتمال البعيد بعملية إيقاف قلم على طرفه المدبب قائما ولمدة مليار سنة دون أن يقع ، وكلما استمر الكون في التّمدد ازدادت الموازين فيه دقة.

21
هناك توازن دقيق للغاية بين كثافة الكون وبين سرعة تمدده .

23
الفاسنتوري
الشمس
الأرض
لو فرضنا أن كوكبنا أصبح بحجم كرة زجاجية صغيرة من التي يلعب بها الأطفال فإن الشمس في هذه الحالة تكون على مسافة 280 مترا، عندئذ يكون النجم المسمى الفاسنتوري على بعد 78 ألف كم .

24-25
إنّ الأجرام السّماوية في الكون مخلوقة بحيث أن الابعاد الموجودة بينها هي أفضل الأبعاد والمسافات. وأي تغيير زيادة أو نقصانا في معدل المسافات الفاصلة بين الإجرام السماوية لمجرتنا يؤدي حتما إلى استحالة ظهور كوكب ملائم لنشوء الحياة عليه .



إنّ الحيز الذي تشغله الأرض في الفضاء الفسيح شبيه بالحيز الذي تشغله ذرة رمل في ساحل رملي، فالكون شاسع إلى درجة لا يمكن للعقل البشري أن يتصورها .

29
أن التفاعلات النووية التي تشكل ذرة الكربون تحدث في قلب النجوم العملاقة
من أجل تكون ذرة الكربون تتحد ذرتان من الهليوم التي تمتلك كل منهما بورتونين حيث تتكون ذرة -1
البريليوم ذات الأربعة بروتونات.
ثم تتحد ذرة البريليوم مع ذرة أخرى من الهليوم لكي تتكون ذرة كربون ذات الستة بروتونات. -2
تتحلل ذرة البريليوم بعد 0,000000000000001 جزءا من الثانية.
ولكن المعجزة هنا هي كيف يتسنى لذرة البريليوم التي تنحل بعد 0,000000000000001 ثانية
أن تتحد مع ذرة أخرى من الهليوم في وقت أقصر من هذا الوقت؟
ويتفق العلماء أن هذه الحادثة حادثة خارقة جدا. -3
إنّ الكربون الذي يوجد بصورة نقية في كوكبنا وعلى شكل ألماس أو فحم هو في الحقيقة عنصر ينتج في قلب النجوم العملاقة وعند انفجار هذه النجوم تتشتت أجزاؤها في كافة أرجاء الكون الفسيح لتنال النجوم والكواكب المنتشرة فيه نصيبها من هذه الأجزاء وكوكبنا الأرض واحد منها .

30
يعتبر الكربون العنصر الأساسي في تركيب جميع الكائنات الحية، فجزيئات المواد العضوية التي تكون أجسام الكائنات الحية كالبروتينات والدهون والكربوهيدرات ما هي إلا مركبات مختلفة لذرة الكربون. والمدهش أن ذرات الكربون الموجودة في أجسامنا حاليا في أثناء قراءتنا لهذه السطور ما هي إلا بقايا لذرات الكربون التي نشأت في قلب النجوم العملاقة وانتشرت في الكون نتيجة انفجار هذه النجوم قبل مليارات السنين.

33
تعتبر الجاذبية من أهم القوى المؤثرة في الكون. وكان نيوتن يعتقد أن قوة الجاذبية لا تقوم فقط باسقاط ثمار التفاح إلى الأسفل بل هي القوة الغامضة التي تمسك الكواكب في أفلاكها.
34
لو كانت قوة الجاذبية أقل مما هي عليه لانفلتت الأرض من جذب الشمس لها وانطلقت سابحة في الفضاء .ولو كانت هذه القوة أكثر مما هي عليه لابتلعت الأرض من قبل الشمس .

36
ترتبط البروتونات والإلكترونات في الذرة بقوة الجذب الكهرومغناطيسية .
37
لو كانت قوة الجذب الكهرومغناطيسية أقل أو أكثر مما هي عليه لما استطاعت الذرات أن تتحد مع بعضها أي استحال وجود جزيئات ضرورية للحياة .
38
تعتبر القنبلة النووية أو الهيدروجينية أفضل مثال لضخامة تأثير القوى النووية .
39
تعتبر القوة النووية أكبر قوة مؤثرة في الكون وهي التي تربط البروتونات والنيوترونات معا في نواة الذرة.
40
إنّ القوة الضعيفة التي تحملها جسيمات الذرة لها قيمة ذات حساسية فائقة وخلقت بهذه الكيفية لتلعب دورها في نشوء الكون .
43
إن البروتونات والإلكترونات التي تشكل الذرة ذات كتل مختلفة بصورة كبيرة إلاّ أنها خُلقت بنفس الكمية من الشحنة وبصورة إعجازية وهذا التطابق مهم جدا في الحفاظ على التوازن الكوني .
45
لقد تم حساب عدد البروتونات والإلكترونات في الكون حسابا دقيقا جدا. ويمكن القول أنهما متساويتان في العدد مع وجود فارق ضئيل جدا يمكن إهماله .
إن هذا التساوي مهم جدا في الحفاظ على التوازن الكهرومغناطيسي للكون .
47
إنّ العدد 10قوة 3 يساوي ألفا، أما العدد 10قوة 10قوة 3 فيساوي الرقم واحد وأمامه ألف صفر .
48
قام البروفيسور البريطاني روجر بنروز ، العالم الرياضي بحساب احتمالية نشوء الكون بالمصادفة، وتناول جميع المتغيرات الفيزيائية في الكون باحتمالاتها المختلفة ومن ضمنها الانفجار العظيم ومدى ملاءمته لتشكيل وسط مناسب لنشوء الحياة فيه .
وتوصل إلى الاحتمالية الآتية : الاحتمال يساوي الرقم واحد مقسوما على رقم 10 قوة 10 قوة 123 .
إن هذا الرقم يصعب على المرء تصوره لأن الرقم 10 قوة 123 يساوي الرقم واحد وأمامه 123صفرا. وهذا الرقم( أي رقم 10 قوة 123)

أكبر من عدد ذرات الكون مجتمعة أي أكبر من 10قوة 78 وهي عدد الذرات الموجودة في الكون بأجمعه. أي أن عدد الأصفار الموجودة أمام الرقم واحد يزيد على عدد الذرات الموجودة في الكون.
ويقول روجر ‘’ لو رقّمنا كل بروتون ونيوترون موجود في الكون بالرقم صفر لما استطعنا كتابة الرقم الذي توصلنا إليه .
53
إنّ موقع المجموعة الشمسية في درب التبّانة يعتبر دليلا قاطعا على التصميم الخارق، ولو كان هذا الموقع غير الذي عليه لما نشأت الحياة على كوكبنا.
56
يمثّل كوكب المشتري درعا واقيا للحياة على كوكب الأرض، ويؤدّي كوكب المشتري هذه المهمة الخطيرة عن طريق كتلته الضخمة وعن طريق مجاله المغناطيسي القوي، ويحول هذا الكوكب الضخم دون سقوط الآلاف من النيازك على كوكب الأرض والتي يؤدي سقوطها حتما إلى فناء البشرية.
57
لقد خلقت جميع الكواكب في المجموعة الشمسية بكتل وأحجام ومسافات معيرة تعييرا دقيقا دون أي نقص أو قصور أو خطأ لتأمين التوازن في المجموعة الشمسية.
58-59


*******
التوازنات في كوكب الأرض
ميل محور الأرض:
لو كان محور الأرض أكثر ميلانا مما هو عليه:
لكان التفاوت الحراري كبيرا جدا بين أرجاء الأرض المختلفة،
ولو كان محور الأرض أقل ميلانا مما هو عليه:
لحدث نفس التفاوت الحراري الكبير جدا بين أرجاء الأرض المختلفة.
سرعة دوران الأرض حول محورها:
لو كانت هذه السرعة أقل مما هي عليه:
لكان التفاوت الحراري كبيرا جدا بين الليل والنّهار،
و لو كانت هذه السرعة أكبر مما هي عليه:
لكانت الرياح المتحركة ضمن الغلاف الجوي تهب بسرعة كبيرة جدا، و بالتالي تغدو الحياة مستحيلة تحت تأثير الزوابع والأعاصير و الفيضانات المهلكة.

قوة الجذب المتبادلة بين الأرض و القمر:
لو كانت هذه القوة أكبر مما هي عليه:
لأثرت قوة الجذب العالية في القمر على ظروف الغلاف الجوي و على سرعة دوران الأرض حول محورها و كذلك على ظاهرة المد و الجزر في المحيطات تأثيرا بالغا،
ولو كانت هذه القوة أقل مما هي عليه:
لحدث تغيير كبير وشديد التاثير في الأقاليم المناخية للأرض.

الجاذبية الأرضية:
لو كانت الجاذبية الأرضية أقوى مما هي عليه:
لتسبب ذلك في تراكم المزيد من غاز الأمونياك و غاز الميثان في الغلاف الجوي، وبالتالي صعوبة الحياة على كوكب الأرض،
ولو كانت أضعف مما هي عليه:
لتسبب ذلك في فقدان الغلاف الجوي للكثير من الماء و بالتالي انعدام الحياة على هذا الكوكب.

بعد الأرض عن الشمس:
لو كان هذا البعد أكبر مما هو عليه:
لأصبحت الأرض شديدة البرودة و لأصيبت الدورة المائية بخلل كبير، و بالتالي يلفّ أرجاء هذا الكوكب عصر جليدي،
ولو كان هذا البعد أقل ممّا هو عليه:
لاحترقت الأرض بالحرارة القاتلة، و لأصاب دورة الماء في

سمك القشرة الأرضية:
لو كانت القشرة الأرضية أكثر سمكا مما هي عليه:
لحدث امتصاص كبير للأوكسيجين من الغلاف الجوي إلى القشرة،
ولو كانت هذه القشرة أقل سمكا ممّا هي عليه:
لانفجرت الحمم البركانية في كل مكان و بالتالي تنعدم الحياة على هذا الكوكب.

60-61


إنّ العوامل التي ذكرناها تعتبر جزءا من الموازين الحساسة واللازمة لنشوء و استمرار الحياة على كوكبنا، وحتى هذا الجزء المذكور يعتبر دليلا على استحالة ظهور الكون والعالم مصادفة. (30)

كمية غاز ثاني أكسيد الكاربون و الماء في الغلاف الجوي
لو كانت هذه الكمية
أكبر مما هي عليه:
لا





ضع تعليقك :///////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////




الموضوع الأصلي : سلسلة المعجزات // المصدر : Cairo9 // الكاتب: سهر اليالي


tarek tito
tarek tito
سلسلة المعجزات  Empty


سلسلة المعجزات  Clock11 الخميس 2 يونيو 2011 - 8:44
سلسلة المعجزات

.

سبحان الملك

تسلم ايدك ياسهر





ضع تعليقك :///////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////




الموضوع الأصلي : سلسلة المعجزات // المصدر : Cairo9 // الكاتب: tarek tito


سهر اليالي
سهر اليالي
سلسلة المعجزات  Empty


سلسلة المعجزات  Clock11 الجمعة 3 يونيو 2011 - 20:10
سلسلة المعجزات

.

مرسي علي مرورك





ضع تعليقك :///////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////




الموضوع الأصلي : سلسلة المعجزات // المصدر : Cairo9 // الكاتب: سهر اليالي


ﻣﺤﻤﺪ محمد
ﻣﺤﻤﺪ محمد
سلسلة المعجزات  Empty


سلسلة المعجزات  Clock11 الثلاثاء 1 أكتوبر 2013 - 21:23
سلسلة المعجزات

.

تسلمى





ضع تعليقك :///////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////




الموضوع الأصلي : سلسلة المعجزات // المصدر : Cairo9 // الكاتب: ﻣﺤﻤﺪ محمد


سلسلة المعجزات

استعرض الموضوع التالي استعرض الموضوع السابق الرجوع الى أعلى الصفحة
صفحة 1 من اصل 1
خدمات الموضوع
 KonuEtiketleri كلمات دليليه
سلسلة المعجزات , سلسلة المعجزات , سلسلة المعجزات ,سلسلة المعجزات ,سلسلة المعجزات , سلسلة المعجزات
 KonuLinki رابط الموضوع
 Konu BBCode BBCode
 KonuHTML Kodu HTMLcode
إذا وجدت وصلات لاتعمل في الموضوع او أن الموضوع [ سلسلة المعجزات ] مخالف ,, من فضلك راسل الإدارة من هنا
صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Cairo9 | كايرو :: الجامعة :: المكتبة العامة :: الركن الإسلامى-

سلسلة المعجزات

سلسلة المعجزات


َ

مقالات تهمك ايضا